»نشرت فى : الاثنين، 10 أكتوبر، 2011»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

دستور البدو السياسى


دستور البدو السياسى


تقول السيدة أو الليدي آن بلنت في كتابها الرائع بدو الفرات [ 1878م] وقد عقدت فصلا كاملا أسمته : دستور البدو السياسي : [ يعتبر النظام السياسي عند البدو بمنتهى الغرابة !!! لأنه يعطي مثالا راقيا لأفضل أنواع الديمقراطية في العالم ، وربما ديمقراطية البدو هي الوحيدة التي تتحقق فيها الشعارات التالية : الحرية ، المساواة ، الأخوة .] .
إنها كلمة حق من شخص محايد تماما عاش مع البادية خصوصا بادية عنزة وشمر مدة طويلة . وتكمل قائلة : [ الحرية عند البدو هي أساس النظام كله ، ولا نقصد الحرية القومية فحسب ، ولكن الحرية الفردية كذلك التي لا تقيدها أي ضوابط كضوابط الولا ء للملك أو الدولة ، والبدوي لا يدين بشي لا يقرره على نفسه ، وهو يستقل بالعمل الحر الشخصي وبالإهتمامات الخاصة . فإذا ماستاء البدوي من شي يمكنه أن ينعزل عن المجتمع البدوي الذي ينتمي إليه في أي وقت دون أن يسأل ، أو يخاف من عقاب . ومكانة البدوي في مجتمعه تذكرنا بأنه عضو في ناد أكثر من كونه في مجتمع أو رعية . ولكن طالما أنه من قبيلة فعليه أن ينصاع لأحكامها وضوابطها ، وعليه أن يشارك في كل المداولات التي تجري من أجلها . ولن تجد بدويا في البادية يتذمر أو يشتكي من الظلم ، لأن مواجهة ذلك وعلاج الظلم تبقى معطياتها دوما بين يديه ]


وفي موضع أخر تقول : [ إن السلطة الحقيقية زهيدة بين يدي الشيخ على الرغم من آلا ف الرجال يطيعونه رسميا ، وهو حقيقة لا يمثل إلا الأرادة المشتركة للقبيلة . ]
وتقول أيضا : [ ومن حيث المبدأ يعتبر كل أفراد القبيلة في درجة واحدة من التساوي فأفقر راعي يتكلم مع شيخه كما لو كان يتكلم إلى قريبه ، وقد يناديه باسمه الأول فقط .]
وقد تكلمت كلاما طويلا حول هذا الموضوع ودعمته بالأمثله من تجاربها مع قبائل عنزة وشمر . ومثلها ماذكره موزل في كتابه أخلاق الرولة وعاداتهم . فقد ذكر قوانين الحرب والسلم والحياة الاجتماعية عند الروله وهو مايوجد في كل قبائل عنزة بل وقبائل الجزيرة كلها .
إن البدو يعيشون وفق نظام بسيط ولكنه شبه متكامل وهناك حقوق وواجبات لكل من الشيخ والرعية . وليس الأمر همجية أو غوغائية كما يظن البعض والشيخ غالبا يختاره قومه ومن ثم تتم العملية بالتوارث ولكن قد يأتي من يلفت الأنظار إليه وإن كان من عامة القبيلة ويصبح عقيدا لقومه ومستشارا للشيخ وربما شيخا فيما بعد وقد شهدت كثير من القبائل العنزية وغيرها تغيرات في المشائخ الذين يقودونها . والشيخ في أغلب الأحيان يتحمل أعباء القبيلة ويدرأ عنها المخاطر ويؤمن لها متطلبات الحياة فمشائخ عنزة كانوا يدفعون للدولة العثمانية مقابل أن ترعى قطعان أبل القبيلة في مراعي الدولة في الشام . وقوة الشيخ هي قوة لكل فرد في القبيلة . فالرويلي على سبيل المثال كان يسير لوحده في شمال الجزيرة لا يخاف لما كان للشعلان من سطوة تهابها القبائل المعادية . ولقد تلقت قبيلة صخر ضربة موجعة في أحد المرات فقط لأنهم أهانوا أحد أفراد الرولة وضربوه . وهناك قوانين عند البدو في كافة حياتهم في سلمهم وحربهم ، وفي كل شؤونهم وللشيخ دور مهم في المحافظة على هذه القوانين . بل حتى في الحب كان لهم نظام معين يتبعه المحبون . وهو شئ فريد . في تلك المجتمعات البدوية بالرغم من شظف الحياة والجهل المطبق . وحتى لو شعر البدوي أو جماعة بالظلم فإنهم يتركون هذا الشيخ وينتقلون لقبيلة أخرى ويتحالفون معها ويجدون كل الدعم وكل الحقوق كما لو كانوا منهم . وحتى في الحرب وهي أحرج مايكون لهم طقوسهم وأحكامهم فلا يقتلون الأسير ولا يتعرضون للنساء ويقبلون من يستجير بهم ولو من أعداءهم ولا يمكن أن يغزوا في الليل وهكذا . أنه نظام عجيب فريد . والأعجب منه أنه لايوجد دستور مكتوب أو قوة دولية تحمي هذه القوانين وتراقبها وتعاقب من يخل بها . بل إن حفظها وتطبيقها شيم وعادات أصيلة تربوا عليها أبناء البادية ومن يخالفها يزدريه الجميع ويكون ازدراءه لنفسه أكثر . ثم إن الشيخ في القبيلة لم يصبح شيخا بالواسطة أو بقوة دولة أو بغدر بل اختاره قومه لبروزه ومواصفاته . ولذلك كان شيوخ القبائل هم أشجعها واشعرها على مر العصور وكثيرا ماكانوا مفخرة للقبيلة بسمعتهم وشهرتهم . فقبائل عنزة على سبيل المثال اكتسبت شهرة كبيرة والفضل في ذلك يعود لفرسانها وشيوخها الأشداء وافعالهم الحميدة .
والحال كذلك في كل القبائل العربية القوية كشمر وعتيبة وحرب وتميم ومطير ودوسر وغيرها .
بل إن البدو جمعوا أفضل مايوجد في الديمقراطية والإشتراكية . فإلى جانب العدل والمساواة وحرية التملك من الأبل وغيرها غلى التكافل والتعاون فإذا أصيب أحد أفراد القبيلة بجائحة أو مصيبة فإن الجميع ملزم بمساعدته وتقديم الدعم له فيعطى على سبيل المثال ناقة حلوب يتغذى منها ويعطى شياه وغيرها حتى يتمكن من إعادة مافقده ومن ثم يعيد ما أخذه من أصل المال والحلال . وكان النظام القضائي لدى البدو فريدا في تعاطيه للقضايا فالقاضي يملك سلطة مطلقه لا تخضع لنفوذ الشيخ ،وقد اشتهر القضاة في القبائل وبعضهم تشد الرحال إليه لشهرته وفطنته في حل العويص من المشاكل ، وقراراته بالطبع ملزمة ولا رجعة فيها.


نقلاً عن كتاب السيدة الليدي آن بلنت بدو الفرات

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016