»نشرت فى : الأربعاء، 2 يناير، 2013»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الشيخ هايل السرور... قومي أحب الشعر والقضاء

الشيخ هايل السرور... قومي أحب الشعر والقضاء



ولد الشيخ هايل عودة السرور عام 1913، في أواخر الحقبة العثمانية، وكانت القبائل البدوية تتحرك في البادية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، فلا حدود سياسية ولا موانع عسكرية، وكانت بلدة الرويشد الحالية، هي مسقط رأسه حيث كانت قبيلة المساعيد متواجدة في تلك المنطقة، ونشأ في بيت والده الشيخ عودة السرور، الذي كان زعيماً عشائرياً صاحب نفوذ كبير، لذا فقد ربى ابنه هايل على الخصال المحمودة، وعلمه استخدام السيف والبندقية وركوب الخيل في عمر مبكرة، وكان الشيخ عودة يدرك بسليقته ونظرة الثاقبة، أهمية العلم في مستقبل ابنه، لكن طبيعة التراحل والتنقل التي ميزت حياة البدو، جعلت من مهمة تدريس الأبناء غاية في الصعوبة، غير أنه وفر مدرساً لابنه، يقيم معهم ويرحل حيث يرحلون، وهو معلم يطلقون عليه اسم « الخطيب « كونه رجل دين في الأساس، يعلم الأولاد المبادئ الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، وحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ويذكر الدكتور محمد العناقرة أنه تعلم فيما بعد على نفسه، حتى أنه عرف مبادئ اللغة الفرنسية، خلال فترة الاستعمار الفرنسي في سوريا.
كانت قبائل المساعيد وقبائل أهل الجبل تتحرك بين شمال شرق الأردن وجنوب شرق سوريا السياسية، ولم تكن الحدود السياسية واضحة المعالم على أرض الواقع في تلك النواحي، فعشائرياً كانت منطقة جبل العرب تشمل مناطق الأزرق وأم الجمال والقرى المحيطة بها من جهة الشرق، وكانت هذه المنطقة الواسعة على مقربة من الحدث السياسي والعسكري، حيث كان لهذه القبائل دور بارز في الثورة العربية الكبرى، وقد تشبع رجالها بالحس القومي الوحدوي، لذا نجد لرجالها حضوراً واضحاً في مسيرة النضال العربي، فالشيخ هايل السرور الذي تربى على الشجاعة والإقدام، وأدرك منذ شبابه أن الوحدة العربية السبيل الوحيد لحرية العرب ونهضتهم، قاد مقاتلين من قبائل أهل الجبل للقتال في فلسطين ضد الإنجليز واليهود، وقد قاد رجاله في قتال بطولي، مع مجموعة أخرى من مقاتلين قدموا من البلقاء على رأسها الشيخ هايل الحديد، وخلال معركة بلدة « بدو « الواقعة غرب مدينة القدس، أصيب هايل الحديد إصابة بليغة، وقد عمل هايل السرور على إخلائه ونقله إلى مستشفى رام الله، لكنه استشهد قبل وصوله المستشفى.
كان حضور الشيخ هايل السرور في الثورة السورية قوياً على أكثر من صعيد، كمقاتل وكسياسي ممثلاً لأبناء منطقته في مجلس الشعب السوري، فقد خاض الانتخابات البرلمانية السورية وحقق الفوز فيها مرات متتالية، وكان صوت الحق والمطالب برحيل الاستعمار الفرنسي، وقد تميز بسعيه ومطالبته بتحقيق وحدة بلاد الشام وبلاد الرافدين بقيادة الهاشميين، فهو من مدرسة الأمير المؤسس عبد الله بن الحسين، وقد نمت الصلة بينهما بشكل قوي وراسخ، حتى أنه حين اشتدت ملاحقة الفرنسيين والبريطانيين للشيخ هايل السرور، بادر الأمير عبد الله بتوفير الملاذ الآمن له، حيث أسكنه في بيت ابنه الأمير طلال – الملك طلال لاحقاً - بعيداً عن أعين مطارديه، وقد كان لنشاطه الوحدوي آثاراً سلبية عليه، حيث تمت مضايقته ولوحق كثيراً، لكنه بقي محافظاً على نهجه.
أخذ «السرور» عن والده الزعامة العشائرية والقضاء العشائري، حيث كان القضاة في البادية يقومون مقام المحاكم الحكومية، وكان لهم دور بارز في تحقيق العدل، وصيانة الحقوق والأعراض، وحقن الدماء وحفظ الأمن، وخلال فترة قصيرة ذاع صيته كقاضٍ لا يشق له غبار، حيث توافد إليه طلاب الحق من داخل الأردن وخارجه، وكان دأبه تحقيق الصلح قبل اللجوء للحكم القضائي، فيسعى إلى تقريب القلوب والنفوس، فلا يخرج المتخاصمون من بيته إلا وقد زالت أسباب الخصام وتألفت نفوسهم، وهو ما جعله حجة في القضاء ومقصداً لطالبيه.
لعب الشيخ دوراً بارزاً في استقرار قبيلته، من خلال حظهم على تأسيس القرى والمطالبة لهم بالمدارس، والخدمات الصحية والبنى التحتية، وشجع تعليم البنات، وكان مثلاً رائعاً بذلك حيث بادر بتعليم بناته، وسمح لهن بإكمال دراستهن خارج الأردن، فقد كان صاحب نظرة ثاقبة وبصيرة نافذة، أسهمت في تحقيق التنمية في قرى وبلدات البادية الشمالية الشرقية والغربية، فهو من رجالات الوطن الذين كان لهم دور كبير في مسيرة الوطن وبناء قدراته، من خلال رص الصفوف خلف قيادته، في ظل ظروف سياسية وعسكرية مضطربة، رافقت تأسيس الإمارة، ولم تخف وطأتها في يوم من الأيام، لكنها جعلت من هذا البلد أكثر قوة وأعمق جذوراً وإصراراً على التمسك بالمستقبل.
خلال عضويته لمجلس الشعب السوري لعدة دورات، ونظراً لنشاطه ومثابرته، أصبح مراقباً للمجلس، مشاركاً في الحركات الوطنية التحررية والوحدوية، وقد استمر في عضوية مجلس الشعب السوري حتى عام 1957، ولم يتخل عن حلمه بوحدة بلاد الشام والعراق، وكان هذا السبب في التآمر عليه، فتم اعتقاله وسجنه، حتى وصل الأمر الحكم عليه بالإعدام، بتهمة التآمر، وقد عانى أشد المعاناة في تلك الفترة، وتعرض للتعذيب بشتى صوره، حتى نزل الحكم إلى السجن المؤبد، حيث أمضى خمس سنوات بسجن المزة في دمشق، بعد ذلك أبعد إلى مصر، لكنه تمكن من العودة إلى الأردن عام 1961، لكنه بقي على موقفه ونهجه القومي المطالب الوحدة.
عين الشيخ هايل السرور عضواً في جلس الأعيان الأردني عام 1987 حتى عام 1989، وكان صاحب رأي واضح وجريء، نابع من رؤية ثاقبة موضوعية، فقد كان محبوباً ومقرباً من الجميع، ساعياً في جميع مناحي حياته إلى مصلحة الوطن والناس والقيادة، مقدماً المصلحة العامة، منافحاً عن الوطن في كل موقع كان فيه، وعمل دائماً بالقرب من قبيلته وأبناء منطقتها، ولا يبخل على أحد بالمساعدة والعون، غير مقتصر ذلك على أبناء منطقته، فقد كان يرى الأردن بلدة واحدة متعاضدة ومتكافلة.
عرف عنه حبه للشعر؛ كشاعر رقيق الحس، وعذب التراكيب، حيث تميز بسليقة شعرية فوارة، وقد انتشرت قصائده بين الناس، وتغنت بها اللسن، وقد تميز شعره بالحكمة وتقديم الصفات النبيلة من شجاعة وكرم ووطنية، وله قصائد تبين معاناته في السجن، وقصائد وجهها لأبنائه من أبرزها قصيدة وجهها لنجله معالي سعد هايل السرور، ركز فيها على الخصال الحميدة، وكشف فيها عن خبرته الكبيرة في الحياة، لذا فأن الشيخ هايل السرور صوت حي في قلوب من عرفة وأحبه وتعامل معه، توفي الشيخ هايل السرور عام 2000م ويبقى ذكره الطيب يخلده بين الأجيال، فالذاكرة الوطنية تضعه في مقدمة كوكبة الرجال الرواد.

 hbarari54@hotmail.com
http://alrai.com/article/560183.html

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016