»نشرت فى : السبت، 4 مايو، 2013»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

من التاريخ "شالح بن هدلان "

نسبه – مكانته في قومه – فروسيته – أخوه الفديع – شجاعته – الالفه بينه وبين أخيه – تبادل الشعر بينهما – قتل الفديع وحزن شالح عليه – أبناء شالح – قتل
عبيد بن حميد في ثأر الفديع – الشعر بين شالح والجمدة حول ذلك – بروز ذيب بن شالح وفروسيته النادره – شعره – لطفه مع أبيه –كسبه لجواد نادر – أبوه يبكيه حياً – القبائل تتحاشى الأغاره على قومه خوفاً منه – اغارة الملك عبدالعزيز على ظعينة والده – دفاعه المستميت دونها – شعر والده في ذلك – قتل ذيب وحزن والده عليه وشعره في رثائه – كيف قتل ؟ الهويدي وطيره وشعر شالح فيه .. الخ ...
هو الفارس شالح بن حطاب بن هدلان ، نشأ بين أفراد قبيلة الخنافره التي هي فخذ من قبيلة آل محمد القحطانيه ، وعاش الى سنة 1340هـ تقريباً ، وكان مثالياً بشجاعته وأمانته وصدقه وحسن أخلاقه وكرمه ووفاءه ، وكان يحكم لحل المشاكل سواء كانت على مستوى قبلي أو فردي ، وكان محبوباً عند قبائل قحطان وعند القبائل الآخرى 0 نشأ شالح بين أفراد قبيلة الخنافره ، وكان له أخ يسمى الفديع كان أصغر منه كثيراً ، شقيقاً له ، وكان مثالياً بشجاعته وأخلاقه ، ويماثل أخاه شالح في كل شئ ، الا أنه كان مغامراً بفروسيته الى أبعد الحدود ، وكان وفياً مع أخيه شالح ، وخادماً اميناً له ، يرى أن تفانيه في خدمة أخيه الأكبر فضيلة من الفضائل لا يعادلها شئ ، وبعد كملت رجولته تحمل كل مشاق الحياة عن أخيه شالح وأصبح هو حامي ظعينتهم ، وكانت ابلهم لا تذهب للمرعى الا وهو معها مدججاً بالسلاح على صهوة جواده ، وكان حصناً حصيناً لها ، ولأبل الحي ، ولا يخطر ببال أي عدو أن يغير عليها مادام الفديع عندها ، وأذا تجرأ أحد من الأعداء وأغار عليها فلا بد أن يرجع مدحوراً ، وذات يوم مع بزوغ الشمس ، وأخوه شالح جالس حول ناره يحتسي القهوة 00 ألتفت الي الأبل وهي في مباركها قرب البيت رآها تعتب بعقلها ولم يرى الفديع ، فنادى شالح قائلاً : الأبل تعتب بعقلها والفديع غائب عنها أين هو ؟ فقيل له : أن زوجتك تنظف رأسه أي تغسله وترجله داخل البيت ، فقام غاضباً ورأى زوجته تغسل رأس أخيه كعادتها فقال : الأبل حائره في مباركها ولم تذهب للمرعى وأنت عند النساء تغسل رأسك ، فأخذ من التراب ووضعه على راس أخيه ، فقام الأخ البار خجلاً من أخيه وأخذ يمسح التراب عن رأسه ، وهو يردد كلمته العفو يا أخي ، ثم طلب من زوجة أخيه أن تسرج جواده ، وتحضر سلاحه ، وذهب للأبل مسرعاً ، وأخذ يطلق عقالها ، أما شالح فقد رجع الى قهوته ، وجلس من حولها ، وعندما أطلق الفديع عقل الأبل رجع وأخذ سلاحه ولبس عدته ، ثم أتى الى أخيه يمشي بحذر وبخفه متناهية من حيث لايشعر به فقبل رأسه وقبل مابين عينيه ، وقال : في أمان الله يا أخي 0 وركب جواده وأتبع أبله ، التي لا يطمئن شالح الا بوجود أخيه معها 0 وعندما رجع الفديع بعد غروب الشمس أتى الى أخيه شالح وسلم عليه ، وقبل ما بين عينيه ، وجلس في مكان أخيه عند القهوه ، وأخذ يصب لأخيه شالح ، ويقص عليه أخبار يومه الفائت ، ويداعبه بالنكت المضحكه ، ويحاول أن يثبت لأخيه شالح أنه لا يحمل في نفسه عليه أي عتب ، وأنه لم يغتظ من حثو التراب على رأسه ، وكل ما يهمه هو أن يكون أخوه راضياً عنه ، وكان الفديع على عادته آتياً بعدد من الغزلان أصطادها بالفلا فأخذ يقدم لأخيه من طيب لحمها ، وعندما أراد شالح أن يأوي الى مضجعه ، همست زوجته بأذن الفديع وقالت : أن الماءالذي عندنا نفذ ، ولا بد أن أخاك عندما ينتبه من نومه سيطلب ماء للقهوة ، وسأخبره أنه لا يوجد عندنا ماء ، فقال الفديع : الحذر أن يعلم أخي بذلك وطلب منها أن تذهب لأحد الجمال وتنيخه بعيداً عن الأبل وتضع رحله عليه وأن تضع عليه مزادتين وركب الفديع جواده ، وأستاق الجمل أمامه ، وراح يبحث عن منهل يستقي منه الماء ، وعند طلوع الفجر الأول ، وقبل أن يستيقظ أخوه عاد محملاً الجمل بالماء ، وحط الرحل وسكب من الماء في دلال أخيه لتكون جاهزه لأعداد القهوة عندما يستيقظ ، ونام هو قليلاً الى قبل طلوع الشمس ، وقام كعادته وصبح أخاه بالخير ، وأنطلق بأبله كعادته للفلا ، وبعد ذلك أسرت أمرأة شالح لزوجها بما فعله الفديع ، وعندما عاد الفديع بعد غروب الشمس ، وسلم على أخيه وجلس عنده ، لاحظ الفديع أن أخاه شالحاً كثير التفكير ، ومشدوه البال ، فسأله قائلاً : ما بك هذه الليلة ، عسى أن لا تشكو من ألم ؟ أخبرني لأن ما رأيته من تفكيرك أساءني ؟ فقال : ياأخي ليس بي شيئ الا أنني أفكر في حالتك لأنني أتعبتك في هذه الدنيا ، وأنت وحدك متحمل مشاق هذه الحياة ، وكل أيامك وأنت على صهوة جوادك ، وأنا أعرف أن هذا شئ يضني . وكم أود أن يكون أبنائي كبارا ليساعدونك ويخدموك ، ولكنك أنت متكفل بهذه العائلة الكبيرة 0 فقال الفديع : أنا سعيد بأن أقوم بخدمتك ، وكل ما أوده بهذه الحياة أن أكون وفياً معك ، وأن أحوز رضاك ، وأن أخدمك كما يجب علي ، وأن لا يحصل مني شئ يكون سبباً في أزعاجك .وأنشد




يـا بــو ذعــار أكفـيـك لـونـي  لحـالـيوأصبـر عـلـى الدنـيـا وبـاقـي  تعبـهـا
وأن غـــم أخـــوه مـعـثـريـن  الـعـيـالـيأنـــا لـخـويـه سـعــد عـيـنــه  عـجـبـهـا
وأن جــن مـثـل مخـزمـات  الجـمـالـيكــم سـابـقٍ تـقـزي وأنــا مــن  سببـهـا
كــــم خــفــرةٍ قــــد  حــرمــت  لـلــدلالــيلـبـسـت ســـوادٍ عـقــب لــــذة  طـربـهــا
وأن جيت لي قفرٍ من النشر خالييـفـرح بــي الـحـواز يــوم أقـبـل  بـهــا
أفـديــك يـــا شـالــح بـحـالــي  ومــالــييــا فــارس الفـرسـان مـقــدم  عـربـهـا
يـــا مـتـيــه أبــلــه بــــروس  الـمـفـالـييالـلـي حمـيـت حـدودهـا يـــا  جنـبـهـا




قال هذه الأبيات لأخيه فتأثر شالح بها ، وأجابه بهذه القصيده :



لا واخـوٍ لــي عـقـب فـرقـاه باضـيـعكنـي بمـا يجـري علـى العـمـر داري
أخــوي يـــا سـتــر الـبـنـي  المـفـاريـعومطلـق لسـان الــي بأهلـهـا تـمـاري
مـــا قـــط يـــومٍ شـــد بـيــن  الـفـراريـعيـا كـود مـا بيـن الكـمـي والمـشـاري
ليـتـه عصـانـي مــرةٍ قــال مــا  طـيــعكود أني أصبر يوم تجري الجواري
أنـا أشهـد أنـه لـي سريـع المنافـيـععـبــدٍ مـلـيــك لــــي ولانــــي  بــشــاري
تشـهـد علـيـه مـنـاتـلات المـصـاريـعوأعـداه مــن كـفـه تـشـوف الـعـزاري
يمـنـاه تـنـثـر مـــن دمـاهــم  قـراطـيـعوعــوق العـديـم الـلـي بـدمـه  يـثـاري
جــداع سـفـريـن الـوجـيـه الـمـداريـعمخلي سـروج الخيـل منهـم عـواري
القـلـب مـــا يـنـسـى بـعـيـد  المـنـاويـعليـثٍ علـى صيـد المشاهيـر ضــاري
وكأن شالحاً قد توقع بهذه القصيده مستقبل أخيه الفديع ، لأن الفديع كان مغامراً بقتاله ، وكان أخوه شالح يخشى عليه دائماً من مغامراته ، لأنه يراه هو كل شئ بالنسبة له ، وكان يفضله على نفسه ، ويفاخر به عند القبائل ، وذات يوم كان شالح راحلاً بظعينته ، وكان أخوه الفديع أرمد العينين ، وجواده يقاد مع الظعينه ، وهو في هودج ، معصوبة عيناه ، فأغار على ظعينتهم كوكبة من الخيل ، وتبين لهم أن هذه الخيل المغيرة هي خيل الحمدة زعماء قبيلة عتيبه ، الشجعان المشهورين بالفروسية ، والذين يضرب المثل بشجاعتهم ، فأخذ شالح وحده يدافع عن الظعينة بكل بسالة ، وكان الحرب بينه وبين المغيرين سجالاً ، فمره يهزمهم ويبعدهم عن الظعينة ، ومره يكثرون عليه ويهزمونه الى أن يصل الى ظعينته ، ثم تتصاعد صيحات النساء ، وزغاريدهن حافزات له على القوم ، فيلقى القوم بقلب أقوى من الحديد ، الى أن يبعدهم عن الظعينة ، فطال القتال وهم على هذا المنوال ، وقد لاحظت والدة شالح والفديع ، أن شالح أعياه الطراد ، فنزلت من هودجها وأسرجت جواد الفديع الأصفر ، وأحضرت سلاحه ، وقالت : أنزل وهب لمساعدة أخيك ، لأن القوم سيغلبونه 0 فقال : يا أماه أنا أذوب كمداً وأحترق حسرة من حين سمعت غارة الخيل ، ولكن كيف أرى حتى أساعد أخي ؟ فقالت : أنا سأجعلك تبصر ، وكان متلهفاً لأن يرى بعينيه ، حتى يهب لمساعدة أخيه ، وعندما أنزلته أمه من الهودج أتت بماء وغسلت عينيه وأخذت تفتحهما بشدة ، ويقال أنه عندما أنفصل كل جفن عن الأخر نزل الدم والصديد معاً من عينيه ، فوثب كأنه النمر ، وركب جواده وهو لا يبصر الا قليلاً ، وكانت خيل الأعداء آتية بأخيه ، فستقبلهم الفديع المغامر غير مبال ، فجندل أول فارس ، ورجعت الخيل هاربة فجندل الآخر ثم جندل الثالث ، وعندما أنغمس بين الخيل ، رشقوه بعدد كثير من الرماح دفاعاً عن النفس ، فأصاب الفديع رمح أخترق رأسه فخر قتيلاً ، ولكن الأعداء أستمروا بالأدبار ، لأنه قد أعياهم القتال ، ونزل شالح عن جواده وقلب أخاه فاذا هو ميت ، وكانت نكبة موجعه لشالح وكانت لحظات ألم أحس وكأن خنجراً مزقت أحشاءه دون أن يستطع ايقاف ألمها الا بالدموع التي تسابقت متناثرة على وجنتيه ، اللتين علاهما غبار المعركة ، وبعد أن قبل أخاه القبلة الأخيرة ، نظر الى ذلك الجبين المعفر بالتراب ، الذي طالما لامس الارض من خشية الله ، ونظر الى تلك العينين اللتين طالما سهرتا عليه الليالي الطوال ، ونظر الى ساعديه اللذبن طالما أنطلقت منهما الرماح لتصافح صدور الأعداء ، ذائدة عنه وعن محارمه وأمواله 00 وهكذا دارت الأفكار برأس الأمير المنكوب شالح ، ثم مسح التراب عن أخيه بكف مرتعشه ، وطبق جفنيه وأمر من حوله أن يكفنوه ، وكانوا في واد بنجد يسمى ( خفا ) وكان على جانب الوادي هضبة تسمى هضبة ( خفا ) فدفن الفديع على مقربة من هذه الهضبة . وهكذا طويت صفحة من التاريخ ، سجلت مثلاً رائعاً للشجاعة والوفاء وكيف كان بر الأخوين لبعضهما ، والمعاملة بينهما التي هي من شيم العرب وأحدى مفاخرهم.
لقد رثا شالح أخاه بقطرات من دم قلبه في هذه المقطوعة :


أمس الضحى عديت روس الطويلاتوهـيـضـت فـــي راس الـحـجـا مـاطــرا لـــي
وتـــســـابـــقـــن دمــــــــــــوع عــــيــــنــــي غــــــزيـــــــراتوصــفـــقـــت بــالـــكـــف الــيــمــيــن الــشــمــالـــي
وجــريـــت مـــــن خــافـــي الـمـعـالـيـق ونـــــاتوالــقــلــب مــــــن بـــيـــن الـصــنــاديــق جـــالــــي
واخـــــــوي يــالــلـــي يـــــــم قــــــــارة خــــفــــا فــــــــاتمـــــن عـــــاد مـــــن عـقــبــه بـيـســتــر خــمــالــي
لـــيـــتــــه كـــفـــانــــي ســــــــــو بـــقـــعــــا ولا مـــــــــــاتوانــــــــــــــا كـــفـــيــــتــــه ســــــــــــــو قـــــــبـــــــرٍ هـــــيـــــالـــــي
ولـيــتــه مـــــع الـحـيـيــن راعـــــي الـجــمــالاتوأنــــــــا فــــــــداً لـــــــــه مـــــــــن غــــبـــــون الــلــيــالـــي
واخــــــوي يــالــلــي يـــــــوم الأخـــــــوان فـــــــلاتمــــن خـلـقـتـه مــــا قــــال : ذا لــــك وذا لــــي
تـبــكــيــه هـــجــــن تــــالــــي الــلـــيـــل عــــجــــلاتتـــرقــــب وعـــدهــــا يــــــــوم غــــــــاب الــهـــلالـــي
وتــبــكـــي عــــلــــى شــــوفــــه بــــنــــي عــفــيــفــاتمـــــــــن عــــقـــــب فــــقـــــده حـــــرمـــــن الـــــدلالـــــي
عــــوق الـعـديــم ان جــــا نــهـــار الـمــثــاراتوالــخــيـــل مـــــــن حـــســــه يـجــيــهــن جــفــالـــي
وكان لشالح ثلاثة من الصبية أكبرهم ذعار وأوسطهم ذيب وأصغرهم عبدالله ، فأخذ شالح يربيهم ويعلمهم الفروسية ، وتبين له وهم في سن الطفولة ، أن من بينهم صبياً سيعوضه أخاه الفديع ، لمع بعينه معاني الفروسية والرجولة ، وكان أديباً طائعاً لأبيه ، فأصبح شالح لا يحب أن يغيب عن ناظره لحظه واحدة ، الى أن برز بميدان الفروسية ، وكان مثلاً للشجاعة ، وكان مضرب الأمثال بين قبائل نجد ، ولم يكن أخوا ذيب ذعار وعبدالله الا فارسين معدودين من أفرس الرجال بين قبيلة قحطان ، وكانا يتقدمان الغزاة الى بلاد الأعداء ، ولهم أفعال مجيدة بين قومهم ، ولكن شهرة ذيب وشجاعته النادرة غطت على أخويه ، وعلى غيرهم ، وقبل أن يأتي دور ذيب بقي شالح يترقب الفرص بالحمدة رؤساء قبيلة عتيبة ، لأخذ ثأر أخيه الفديع ، وقد أعد العدة لذلك ، وبعد مرور الأيام سنحت الفرصة لشالح لأخذ الثأر من الحمدة بعد أن تقابلوا بالميدان ، وكان أحد أقارب شالح يسمى مبارك بن غنيم بن هدلان قد تعهد بأخذ ثأر الفديع ، فعمد الى عبيد أبن الأمير تركي بن حميد الفارس المشهور ، عمد اليه في حومة الوغى فجندله بثأر الفديع ، فكبر المصاب على الحمده بفقدان عبيد بن تركي بن حميد ، وكان خسارة مؤلمة لهم ، وأخذ أخوه ضيف الله بن تركي يتمثل بهذه الأبيات راثياً أخاه عبيد ، ومتوعداً قبيلة قحطان التي قتلت أخاه ، ومحرضاً الأمير محمد بن هندي بن حميد على ذلك فقال :

يــاونــتـــي ونـــــــة  كــســيـــر  الــجــبـــارةالـى وقـف مــا احـتـال ولـيـا قـعـد ون
عـلـيــك يـــــا شــبـــاب  ضـــــو  الـمــنــارةعـلــيــك تــرفـــات الـصـبــايــا  يــنــوجــن
مــن مـــات عـقــب عـبـيـد قـلـنـا  ودارهلا بـــاكـــي عــقــبــه ولا  قـــايــــل  مـــــــن
تـبـكــيــك صـــفـــرٍ  الـبـســوهــا  غـــيــــارهتـبـكــيــك يــــــوم أن  الـسـبــايــا  يــعــنــن
وتـبـكـيــك وضـــــحٍ  ربـــعـــت  بــالــزبــارهالـيــا قـــزن مــــن خــايــع  مــــا  يــــردن
الــخــيــل عـــقـــب مــــــا  بـــــــه  نـــمــــارهوش عاد لو راحن وش عاد لو جن
يـــا شـيــخ مـــا تـامــر علـيـهـم  بــغــارهكود الجروح اللي على القلـب يبـرن
يـقـطــع صــبـــي مـــــا  يــنـــادي  بــثـــارهالــــى أقـبـلــن ذولــــي وذولــيــك  قــفــن
يـاهــل الـرمــك كــــل يـعـســف  مــهــارهوالـمـنـع مـــا نـطـريـه لاهـــم ولا  حــــن

فأجابه شالح بن هدلان بقوله :


ضـيـف الله أشــرب مــا شـربـنـا  مـــرارهاصــبــر وكــنــك شــالــح  يـــــوم  حـــــزن
راح الـفــديــع الــلـــي عـلـيـنــا  خــســـارهواخـــذ قـضــاه عـبـيـد حـامــي  ثـقـلـهـن
يمـنـى رمــت بــه مــا تجـيـهـا  الـجـبـارهالـلــي رمـــت بـعـبـيـد فــــي  معتـلـجـهـن
مــن نـســل أبـــوي وضـــاري  للـشـطـارهيصـيـب رمـحـه يــوم الأرمــاح يخـطـن
وعــبــيـــد خـــلــــي  طـــايــــحٍ  بـالــمــغــارهعـلـيــه عـكــفــان الـمـخـالــب  يـحــومــن
وعـاداتــنــا بـالـصــيــد  نـــاخـــذ  خـــيـــارهثـلاثــة الـجـذعـان غـصـبـن بـــلا  مــــن
يــا قـاطـع الحـسـى تــرى العـلـم  شـــارهلا بــــــــد دورات  الــلــيــالــي  يـــــــــدورن
حــريــبــنــا  كــــنــــه  رقــــيـــــد  الـــخـــبـــارهخـطـرٍ علـيـه الـيـا تـوقــظ مـــن  الـجــن
مــــانـــــي  بـــقـــصـــادٍ  بـــلـــيــــا  نـــــمـــــارهأجــدع نطيـحـي بالسـهـل وأن تـلاقــن
مـــن حـــل دار الــنــاس حــلــوا  ديــــارهلا بـــــد مـــــا تـســكــن  ديـــــاره  ويـغــبــن
ومـن شـق ستـر النـاس شقـوا سـتـارهومن ضحك بالثرمان يضحك بل سن
وان كــان ضـيـف الله يعـسـف مـهــارهفمـهـارنـا مـــن عـصــر نـــوح  يـطـيـعـن
تـــدنــــا لـصــبــيــان  ســــــــواة  الــنـــمـــارهشــهـــب لـمـاضــيــن الـفـعــايــل  يــعــنــن
وهنا نوه شالح بن هدلان عن مقتل عبيد بن تركي بن حميد ، وأنه أخذ ثأر الفديع منه ، وكذلك أشار الى مقتل الثلاثة الجذعان أي الثلاثة الشبان وهم : سلطان بن محمد بن هندي ، ونائف بن محمد بن هندي ، وأبن عم لهم ، وقد قتل الجميع بثأر الفديع .
نرجع الى الصبي ذيب بن شالح بن هدلان ، فعندما بلغ سن الرابعة عشر ، وكان بهذا السن قد تدرب على ركوب الخيل ، وقد رباه أبوه أحسن تربية ، وذات يوم أجتمع مشايخ الحي من أقارب شالح ، وهم أبناء عمه السفارين ، أجتمعوا لرأي ، ولم يدعوا شالح لحضوره ، وفي آخر اجتماعهم أرسلوا اليه رسولاً يدعونه ، وكان عنده علم بأجتماعهم ، فقال لرسولهم : أخبرهم أنني لن أحضر أجتماعهم ، لأنهم أجتمعوا قبل أن يخبروني ، وأنا سأرحل حالاً الى قبيلة الدواسر ، وقد رحل فعلاً وحاولوا أن يرضوه وأن يعدل عن رأيه ، ولكنه أصر على الرحيل وأرسل لهم هذه القصيدة :
أنـــــا لــيـــا كــثـــرت لـشــاويــر مـــــا شــيـــروحـلـفـت مــــا تــــي بــــارزاً مــــا دعــانــي
وأنـــا صـديـقـه فـــي لـيـالـي المـعـاسـيـروالا الـــــرخـــــا كــــــــــلٍ يـــــســـــد بــمـــكـــانـــي
وشوري ليا هجت توالي المظاهيرشــلـــفـــا عــلــيــهــا رايــــــــب الــــــــدم قــــانــــي
شــلــفــا مــعــودهــا لـــجــــذع الـمـشـاهــيــريــــــــــوم الــســبـــايـــا كـــنــــهــــا الــديـــدحـــانـــي
مــانــي بـخـبــل مـــــا يــعـــرف الـمـعـابـيـرقـدنـي عـلـى قـطــع الـفــرج مرجـعـانـي
أن ســـنــــدوا حـــــــدرت يـــــــم الــجــوافــيــروأن حــــــــــــدروا ســــــنــــــدت لــمــريــغـــانـــي
نـــاخــــذ بــخــيـــران الــمــريــبــخ مــســايــيــرومـا دبـر المولـى علـى العـبـد كـانـي
فرحل الى قبيلة الدواسر ، وعندما وصل اليهم أكرموه وأعزوه ، فصادف ذات يوم وهو عندهم أن أغار عليهم فرسان من قبيلة عتبة آخر النهار ، وكان ذيب بن شالح قد بلغ من العمر أربعة عشر عاماً ، ولكن والده قد أعد له جواداً من الخيل ، وقد دربه على فنون القتال ، لأنه يعلق على ذيب آمالاً جساماً ، وعندما علم الدواسر بغارة الفرسان على أبلهم ، ركبوا خيولهم وكروا على القوم المغيرين ، وكان جارهم الصغير ذيب معهم ، وعندما تجاولوا على الخيل عند الأبل ، منع الدواسر أبلهم ، وراحوا يطاردون المغيرين من قبيلة عتيبة ، وكانت الشمس قد غربت ، فدفع ذيب جواده بسرعة البرق على فارس من قبيلة عتيبة كان في مؤخرة الفرسان ،يدافع عن جماعته فلكزه برمحه الصغير ، فرماه عن جواده ، وأخذ الجواد غنيمة ، وكانت صفراء اللون ، أي بيضاء ، وكانت غريبة الشكل ، لا يعادلها من الخيل شئ ، فرجع فرسان الدواسر منتصرين ، بعد أن هزموا القوم ، وأخذوا منهم عدداً من الخيل ، ورجع ذيب مع جيرانه منتصراً ، وغانماً أجود جواد في نجد وكانت هذه أول وقعة يحضرها ذيب ، فأسرع أحد فرسان الدواسر ليبشر جارهم شالح أن أبنه بخير ، وأنه غنم جواداً لا يعادلها جواد في نجد ، ولما وصل الفارس الى شالح وجده واقفاً أمام بيته يترقب أخبار أبنه الغالي ، الذي يعلق عليه آمالاً كبيرة ، فبشر الدوسري جاره بما فعل أبنه ذيب ، وأثنى على ذيب بما هو أهل له ، فتهلل وجه شالح بشراً ولما وصل أبنه ذيب ترجل عن الجواد الذي غنمه من القوم ، وجاء يمشي نحوأبيه بخطوات ثابته كأنه النمر فسلم عليه وقبل جبينه ، وسلم له عنان الجواد الغنيمة فشكره أبوه وقال : هذا ظني فيك ياذيب ، وعندما رأى شالح الجواد عرف أن له شأناً عظيماً0 وفي الصباح أعاد النظر في الجواد ، فاذا هي التي يضرب بها المثل عند قبيلةعتيبة ، وقبائل نجد ، وكانت تسمى ( العزبة ) وعندما علم بها الأمير محمد بن سعود بن فيصل ، وعلم بها أمير حائل محمد بن رشيد ، أرسل كل منهما رسله يطلبون الجواد من شالح ، فأعتذر من الرسل ، وقال لهم بصريح العبارة : أن هذه الفرس أخذها ذيب من الأعداء ، وهي لا تصلح الا له ، وأنشد :

يــا سابـقـي كـثـرت عـلـوم الـعـرب فـيــكعـــلـــوم الــمــلــوك مــــــن أول ثـــــــم تـــالــــي
لا نــــيـــــب لا بــــايـــــع ولانـــــــــي بــمــهــديـــكوأنـــا الـلــي أسـتـاهـل هـــدو كـــل غـالــي
وانتي من الثلث المحرم ولا أعطيكوأنـــتــــي بـــهــــا الــدنــيـــا شـــريــــدة حـــلالــــي
يــامــا حــــلا خــطــوى الـقـلاعــة تـبــاريــكأفـــــرح بــهـــا قــلـــب الـصــديــق الــمــوالــي
ويامـا حـلا زيــن الـنـدى مــن مواطـيـكفــــي عـثـعــثٍ تــــوه مــــن الــوســم ســالــي
ويـاحـلــو شـمـشــولٍ مــــن الــبــدو يـتـلـيــكبــقــفـــر بـــــــه الـــجــــازي تـــربــــي الــغــزالـــي
الــخــيـــر كـــلــــه نـــابــــتٍ فـــــــي نــواصـــيـــكوأدلــــــــه لــــيــــا راعــــيــــت زولــــــــك قــبـــالـــي
بــالــضــيــق لــوجـــيـــه الــمـــداريـــع نــثــنــيـــكوعــجــلـــه وريــــضــــة خــــــــلاف الــتـــوالـــي
حــقــك عــلـــي أنـــــي مـــــن الــبـــر أبــديـــكوعـلــى بـدنــك الــجــوخ أحــطــه جــلالــي
أبــــيــــه عــــــــن بـــــــــرد الــمــشــاتـــي يـــدفـــيـــكوبالـقـيـظ أحـطــك فـــي نـعـيـم الـظـلالــي
يــا نـافـدا الـلـي حصـلـك مـــن مجـانـيـكجـابــك عـقــاب الـخـيــل ذيــــب الـعـيـالـي
جابك صبي الجـود مـن كـف راعيـكفـــــي ســاعـــةٍ تــذهـــل عــقـــول الـرجــالــي
يــــــــا ســابـــقـــي نــــبـــــي نـــبـــعـــد مــشــاحــيـــكوالـــبـــعــــد ســـــلــــــم مــكـــرمـــيـــن الــســـبـــالـــي
يــــــم الــجــنـــوب وديـــرتــــه نـنــتــحــي فـــيــــكلـــربــــعٍ مـــــــن الأونـــــــاس قـــفــــرٍ وخـــالــــي
وبعد أن قال هذه القصيده رحل الى الربع الخالي كما ذكر في القصيدة ، وابتعد عن الأمير أبن سعود ومحمد بن رشيد لئلا يأخذا جواد أبنه قسراً ، وعاد بعد أن أطمأن على جواد أبنه ، وبهذه الفتره بدأ يلمع نجم ذيب الخيل أبن شالح ، فأخذت الأنظار تتجه الى الفارس الشاب ، وزادت أخبار شجاعته أنتشاراً ، وأخذ الناس يتحدثون عنه ، وكان ذيب يسأل أباه ورجال الحي من قبيلة الخنافرة عن مصدر الخطر الذي يتوقعونه ومن أي جهة يمكن للعدو أن يفاجئنا منها ؟ فيقولون له من ناحية قبيلة عتيبه ، من الناحية الشمالية ، حيث تكون قبيلة عتيبه شمالاً عن الجهات التي تقطنها قبيلة قحطان ، فيقول ذيب لراعي أبله : أذهب بأبلي الى الشمال أي الى ناحية الخطر الذي يمكن أن يكون من قبيلة عتيبه ، ويتفوه بفخر وأعتزاز قائلا : سأحمي أبلي وأبل قبيلة الخنافرة من أي غاز كائناً من كان ، سواء من قبيلة عتيبة أو من غيرها 00 فتذهب أبله وترجع سالمه ، ولا يمكن لأحد أن يتجرأ عليها مادام ذيب موجوداً عندها 0 ومما قيل عن شالح والد ذيب أنه اذا جلس في مجلسه وحوله رجال القبيلة ينادي أبنه ذيب فيأتيه الأبن البار المطيع مسرعاً ، ثم يقبله الأب الطيب كأنه طفل صغير ، وبعدما يقبله ينفجر باكياً ، وقد لامه قومه مراراً قائلين له : كيف تقبل ذيب بين الرجال كأنه طفل ثم تبكي ؟ فيجيبهم : دعوني أقبل ذيباَ وأبكي عليه وأودعه كل يوم ، لأنني أتخيل أن الدنيا ستحرمني منه ، لأن من كان يخوض غمار الحروب الطاحنة ويندفع مثل أندفاع ذيب المعركة لا يمكن أن يكون من أصحاب الأعمار الطويلة ولابد أن تختطفه يد المنون. ثم قال قصيدته المشهورة :


مـــا ذكـــر بـــه حـــي بــكــى حــــي يــــا ذيــــبوالـــيــــوم أنـــــــا بـابــكــيــك لــــــــو كــــنــــت حــــيــــا
ويــاذيــب يـبـكـونــك هـــــل الـفــطــر الـشــيــبأن لا يـــعـــتـــهـــم مــــــثــــــل خــــــيــــــل الـــمـــحـــيـــا
وتــبــكــيـــك قـــطـــعــــانٍ عــلــيـــهـــا الــكــوالـــيـــبوشــــيـــــال حــــمـــــل الــــلـــــي يـــــبـــــون الــكــفـــيـــا
وتــبـــكـــيـــك وضـــــــــــحٍ عـــلـــقـــوهـــا دبــــــاديــــــبأن رددت مــــــــــن يـــــمـــــة الـــــخـــــوف عـــــيــــــا
ويـبـكـيـك مــــن صــكــت عـلـيــه المـغـالـيـبان صاح باعلى الصوت ياهل الحميا
تـــنـــزل بــــــك الـــحـــزم الــمــطـــرف لـيــاهــيــبان رددوهـــــــــــــــــــــن نـــــاقـــــلـــــيــــــن الـــــعـــــصـــــيــــــا
انــــــا اشـــهـــد انــــــك بـيـنــنــا مــنــقـــع الــطــيـــبوالـــطـــيـــب عــــســـــرٍ مــطــلـــبـــه مــــــــــا تـــهـــيــــا

ويلاحظ القارئ بيتاً من قصيدة أبيه حيث يقول :

تبـكـيـك وضـــحٍ علـقـوهـا دبــاديــبأن رددت عن يمة الخوف عيا
فالواضح هي أبل ذيب بن هدلان ، ولونها أبيض ويسمونها الوضح ، أما الدباديب فهي شئ من الزينة يضعونه على سنام كل حائل من الأبل ، لقد زادته قصيدة أبيه شهرة في نجد ، وسارت بها وبأشعاره الأخرى الركبان ، وبعد أن أستفاض ذكر ذيب في نجد ، أخذت الغزاة يتحاشون الغارة على قبيلة الخنافرة خوفاً من ذيب حتى أن الأمير محمد بن هندي بن حميد قال لفرسان قبيلة عتيبة
أنا أوصيكم بأنكم اذا أغرتم على أبل العدو وسمعتم عندها من يعتزي بقوله : خيال البلها وأنل أبن دراج فلا تطمعوا بالأبل أنجوا بأنفسكم ، لأن هذه هي نخوة قبيلة الخنافرة من قحطان ، التي هي قبيلة ذيب بن هدلان ،وهذا دليل واضح بأن ذيب حامٍ لقبيلته ، مثل ما كان عنترة العبسي حامياً لقبيلة بني عبس 0



ويقال أن الملك عبدالعزيز (طيب الله ثراه ) أغارت فرسانه على شالح بن هدلان ولم يعرف أن هذه أبل شالح ، وأبنه ذيب ، وكان فرسان الملك عبدالعزيز يعدون بالمئات ، أغارت هذه الفرسان على ظعينة شالح وأبنه ولم يكن حاضراً من القبيلة سوى ذيب ووالده وأخوته ، فأخذ ذيب يصد الخيل ببسالة متناهية بل وشجاعة فذة ، وقد أغارت عليه الخيل قبل بزوغ الشمس ، وأخذ ذيب يدافع عن ظعن أبيه وأبله. الى بعد صلاة العصر ، وهزم الخيل ، بعد أن قتل الأمير فهد بن جلوي ، أبن عم الملك عبدالعزيز ، الشجاع المعروف ، والأمير فهد بن جلوي هو صاحب ( الشلفا ) التي حربتها لا زالت في باب قصر عجلان المسمى ( المصمك ) بمدينة الرياض ، في اليوم الذي هاجم فيه الملك عبدالعزيز قوة بن رشيد التي بالقصر المذكور .وأيضاً رمى ذيب بالأمير تركي بن عبدالله آل سعود أبن عم الملك عبدالعزيز رمى به على الأرض وجرحه بجنبه ، وجندل معه تسعة من الفرسان ، وكان ذيب في أوج المعركة يأمر رعيان أبله بأن لا يصلفوا بهجيجهم لئلا يتأثر أبوه ، وكان أبوه طاعناً في السن .تخلص ذيب من فرسان الملك عبدالعزيز بفروسية لا يضاهيها أية فروسية ، فمن الذي يستطيع أن يحمي نفسه من فرسان الملك عبدالعزيز منفرداً حمى ظعينة أبيه بقوة ساعده ، وبضرباته الهائلة ، لا شك أن هذه المعجزة تجلت بصحراء نجد ، سجلها شاب من قبيلة قحطان ، القبيلة العريقة ، لقد نشأ هذا الشاب وترعرع بصحراء نجد القاسية ، وسجل هذه المفخرة وعمره لا يتجاوز الثانية والعشرين سنة ، على أول طرة شاربه ، لا شك أنه ينطبق على هذا الشاب بيت عنترة العبسي حيث يقول :


خلقت من حديد أشـد قلبـاًوقد بلى الحديد وما بليت
وعندما رجعت خيول الملك عبدالعزيز التي أغارت بدون علمه وأخبره رجالها أنهم رجعوا تحت ضربات ذيب الهائلة ، تأسف الملك عبدالعزيز وقال : لو عرفت أن الظعينة هي ظعينة شالح بن هدلان لأمرتهم بالرجوع عنها ، لأنه شخص طيب ، ولا أحب أن أفاجئه هو وأبناؤه عند محارمهم وعند أبلهم ، وأرسل الى شالح كتاباً يقول فيه : أنني قد عفوت عنه ، وله الأمان ، وعليه أن يرجع بالسمع والطاعة ، فرجع شالح بعد أن أمنه الملك عبدالعزيز وحماه ، وحذر أقاربه من آل سعود بأن لا يفكروا بأخذ الثار من ذيب بن شالح ، وسمح لذيب أن يأتي ويسلم عليه وفعلاً حماه وأكرمه ، ولم يمس بسوء ، وقال الملك عبدالعزيز : أنني كنت أود أن أرى هذا الشاب العجيب ، ولا شك أنه دافع عن والده ، وعن محارمه وأبله ، وكان مظلوماً . هذه عبقرية الملك عبدالعزيز ، لقد عفا عن ذيب قاتل أبناء عمه ، وهازم فرسانه ، نعم عفا عنه وقال : أنه مظلوم ، مظلوم ، لأنه لم يبدر منه أي ذنب يستحق التأديب عليه . ان الملك كان منصفاً ، فهو يقول الحق ولو كان على نفسه ، ويعترف بالفضيلة ويسعى اليها ، لا شك أن عبدالعزيز عظيم ، ويعفو عن العظائم ، لقد ضرب مثلاً رائعاً للعفو ، ولا شك أن ما قاله أبو الطيب المتنبي يتطبق على الملك عبدالعزيز :


علـى قـدر أهـل العـزم تأتـي العـزائـموتـأتــي عــلــى قــــدر الــكــرام الـمـكــارم
وتعظم في عين الصغير صغارهاوتصغر فـي عيـن العظيـم العظائـم
وقد أكد لي بعض الحاضرين أن الملك عندما أغارت خيله على شالح وأولاده ، ما كان عنده علم بهم ، بل يظن أنهم من الأعداء الأخرين . وعندما أنتهت المعركه بين ذيب وفرسان الملك عبدالعزيز ، أناخ ذيب ظعينة أبيه وقبله بين عينيه ، وهنأه بالنصر ، وقال له الوالد الطيب : هذا بمشيئة الله ثم بساعدك ياذيب ، بارك الله فيك ، وأسأل الله أن لا يفجعني بك ، وأخذ شالح ينشد أبياتاً قائلاً : انك يا عبدالعزيز أفرحت علينا أعدائنا ، قاصداً قبيلة عتيبة ، لأنه يشعر أنهم هم أعداؤه وأعداء قبيلة قحطان ، لأن الحروب كانت بينهم مستمره آنذاك ، والأبيات هي :


يــــاشـــــيـــــخ فــــرحـــــتـــــوا عـــلــــيــــنــــا الـــــــعــــــــداةالــــلــــي بــــذمــــة حــكــمــكــم مـــــــــا يـــــــــدارون
غـــرتـــوا عـلـيــنــا الــفــجــر قـــبـــل الـــصــــلاةوحــــنــــا عــــددنــــا خــمـــســـةٍ أو بــــعــــد دون
مــــــن صـــلـــب أبـــــــوي وبــالــلـــوازم شـــفــــاةمــــاهـــــم فـــــريـــــق هـــديـــهــــدٍ يــــــــــوم يـــــأتـــــون
يــانـــا فـــــدا الــلـــي مـــــا يــضــيــع وصـــاتـــيمــا يسـنـد الا عـقـب طـاعـن ومـطـعـون
ســــــــــــــو عـــــــلـــــــى ركـــــــابـــــــة الـــمــــكــــرمــــاتوبظـهـورهـن يـــروي شــبــا كــــل مـسـنــون
ويـــــلـــــكـــــد مـــــلاكـــــيـــــد الـــــعـــــديـــــم الـــــــزنــــــــاةويـــاويـــلـــكـــم يــــلــــلــــي بــــوجــــهــــه تـــقـــيـــفـــون
خــــــلــــــي عــــــشــــــا لــــلــــجـــــوع الـــحـــايـــمــــاتمن فعل ذيب أهل الرمك عنه يقفون
ويـــاشــــيــــخ لا تـــســــمــــع كـــــــــــلام الـــــعــــــداةأســفـــه كــــــلام الـمـبـغـضــه لــــــو يــقــولــون
أطــــلـــــب لــحــكــمـــك بــالــســعـــد والـــثـــبـــاتبــــــــجــــــــاه مـــــعـــــبــــــود لــــبــــيــــتــــه يـــــحـــــجــــــون
لــــــــعـــــــــل مــــــــــــــــــا يــــبــــكـــــنـــــك الــــنــــايـــــحـــــاتياللي علـى عـورات أهـل نجـد مامـون
ولم ينسى ذيب الأبن البار أباه ، فعندما حط رحالهم بعد المعركة ، عمد الى أبله وعقر حائلاً منها وأخذ يشوي من طيب لحمها لأبيه ، ولجاره الدوسري ، ويقدمه لهما وهما يحتسيان القهوة ، وكان هذا الدوسري صديقاً لشالح بن هدلان منذ عهد بعيد ، وكان شالح لايحب أن يفارقه ، والصداقه بينهما قوية الروابط ، وفي أثناء المعركة ، عندما يكر فرسان الملك عبدالعزيز على ذيب يصيح شالح بأعلى صوته وينادي أخيه الفديع ، الذي مضى على وفاته أكثر من عشرين سنة ، وينخاه ولم يتكلم عن ذيب ، وفروسيته الفذه ، وعندما أنتهت المعركة جعل الدوسري يلوم شالحاً ويقول له : كيف تنخى أخاك وهو ميت منذ عشرين سنة ولا تنخى أبنك الذي أبلى بلاء حسناً ، وهزم خيول الملك عبدالعزيز ؟ فيجيبه شالح قائلاً : أن ذيب حتى الأن لم يلحق ما لحقه عمه من الشجاعة ، لذلك فأنا سأبقى ذاكراً أخي الفديع في كل ملمة الى أن أقنع بشجاعة أبني ذيب ، ويثبت لي أنه أكفا من عمه ، هذا ما يقوله شالح 0 أما أنا فأقول للقارئ : ان الذي دافع عن ظعينته وأبله وحماها من فرسان الملك عبدالعزيز أنه لا يعادله أي فارس من الفرسان في زمانه .
وهنا يطيب لي أن أذكر طرفاً من بر ذيب بوالده : ان بر ذيب بوالده شالح لم يسبقه أحد اليه ، ولابد أن القارئ قد عرف أن ذيباً قد ذبح لأبيه حائلاً ليشوي من لحمها له ، ولم يثنه عن ذلك عناء المعركة وما لحقه من الأجهاد ، والآن أحدث القارئ عن سيرته التي أستقيتها من المعاصرين لذيب ، كان ذيب لا ينام أبداً وأبوه لم ينم ، وكان يجلب لأبيه الحليب من الأبل وعندما يأتي به اليه ويجده نائماً يبقى واقفاً وواضعاً الاناء على يده وربما حام حول أبيه وذكر الله بصوت منخفض الى أن يستيقظ أبوه ، ثم يقبل جبينه ، ويناوله الحليب ، ولا يرضى أحد غيره يقدم أي شي من الغذاء بل هو المسئول الوحيد عن تقديم طعام ابيه وخدمته ، ويقال أنه عندما يرحل الظعن يركب مطيته ويذهب أمام ظعينة أبيه ، وعندما يصل الجهة القابلة للمنزل يصطاد من الغزلان أو من الأرانب أو من الحباري ثم يعده لأبيه قبل أن يصل وكذلك يعد له القهوة ، وكان دائماً يحمل أنية طعام أبيه وآنية القهوة على راحلته وعندما يقبل الظعن يستقبل أباه ويهلي ويرحب به كأنه ضيف عزيز عليه ، ويمسك بخطام راحلته وينيخها عند محل جلوسه المعد مسبقاً ، وعندما يترجل والده يقبل جبينه ثم يجلسه تحت ظل شجرة قد أختارها ، واذا لم يجد شجرة يقال أنه يعمل مظلة من الأعشاب لتظل أباه من حرارة الشمس ، الى أن يعدوا بيوتهم ، وعندما يجلس شالح يقدم له أبنه القهوة وبعدها يقدم له لحم الصيد ويقول لأبيه بهذه اللهجة تناول يا أبن هدلان حياك الله فيجيب شالح أبنه : بارك الله فيك ياذيب ، وذات يوم لم يصطد من الصيد شيئاَ ، وقد أقبل أبوه يتقدم الظعينة ، وبقي ذيب حائراً متحسراً بماذا يقابل أباه وأخيراً أستقر رأيه على أن ينحر مطيته ( الأصيل ) التي يعادل ثمنها خمساً من الأبل ، وفعلاً أخفاها بين الشجر لئلا يراها والده ونحرها ، وأخذ من طيب لحمها وطهاه بالاناء الذي عاده يقدم به لحم الصيد لوالده ،وعندما وصل شالح وأستقبله أبنه كعادته قدم له الأكل ، بعد أن صب له من القهوة ، وعندما تصاعدت رائحة لحم البعير عرف شالح أن هذا ليس بلحم صيد ، فقال لأبنه : ماهذا يا ذيب ؟ قال ذيب : ( شبب يابه ) وهذه لغة قحطان ،أي أن هذا رزق من الله يا أبت ، فكرر أبوه السؤال وكرر الأبن الأجابة ثم عرف الوالد النتيجة فقال لأبنه : ذبحتها يا ذيب فقال ذيب : هي تفديك يا أعز والد وعوضها سيكون من حلال القوم آتي به اليك ، ثم قال لأبيه : أنا لا أستطيع أن أستقبلك مالم أقدم لك شيئاً من الأكل ، وأقسمت على نفسي أن أستمر على هذه الحالة الى أن يتوفاني الله ، فتأوه والده ثلاث مرات وقال : يا لهفي بعد فرقاك يا ذيب ، لقد أشتهر ذيب ببره لوالديه ، ووفائه مع أصدقائه ، وعطفه على جيرانه ، وكرمه الحاتمي ، وذات ليلة كان هو ووالده ساهرين ، وكان والده يداعبه ويلقي عليه بعض الأشعار فأنشد عليه هذه الأبيات :


يـاذيــب أنـــا يـــا بـــوك حــالــي تــــردىوأنا عليك من المواجيب يـا ذيـب
تكسب لي اللي لا قح عقب عداطويـلـة النـسـنـوس حـرشــا عـراقـيـب
تـــجــــر ذيـــــــل مـــثــــل حـــبــــل الــمـــعـــداوتـبــرى لـحـيـرانٍ صـغــارٍ حبـاحـيـب
وأشري لـك اللـي ركضهـا مـا تقـداما حدٍ لقى فيها عيوب وعذاريب
قـبــا عــلــى خــيــل الـمـعــادي تــحــدىمـثـل الـفـهـد تـوثــب علـيـهـم تـواثـيـب
أنـــــــا أشـــهــــد أنـــــــك بــالــلـــوازم تـــســــداوعز الله أنك خيرة الربع بالطيب
يـالـلــي عــلـــى ذيـــــب الـســرايــا تــعـــدالو حال من دونه عيال معاطيب
لـيــثٍ عـلــى درب الـمـراجـل مـقــدىمـا فيـك يــا ذيــب السبـايـا عـذاريـب
وبعد أن قال والده هذه الأبيات بطريقة المزاح أسرها الأبن ذيب في نفسه ، وعندما نام والده وأطمأن ذيب أنه قد أخذ في النوم ، ذهب خفية وركب قلوصه ، وذهب لبعض أصحابه من الشبان وأمر عليهم أن يرافقوه ، فشدوا مطاياهم وركبوا مع ذيب ، وعددهم لا يتجاوز خمسة عشر شاباً وكلهم يأتمرون بأمر ذيب ، وبعد ذلك سألوا ذيب الى أين نحن ذاهبون ؟ فقال : الى ديار القوم ، وأشار الى قبيلة عتيبة لنكسب منهم أبلاً لأهلنا ، وقال : لا بد أن آتي لوالدي من خيار أبل عتيبة ، وأستمروا بسيرهم ، وبعد ثلاثة أيام قصدوا بئراً في ديار عتيبة ليستقوا منها الماء ، ويسقوا رواحلهم ، وهذا البئر يسمى ( ملية ) وهو يقع غرباً عن جبل ذهلان ، بأواسط نجد ، وعندما أنحدروا عليه من جبل يطل عليه ، رأوا عليه ورد من عتيبة يستقون ، فأراد ذيب ورفاقه أن  يرجعوا لئلا يروهم فينذروا القبيلة بهم ، وكان من السقاة صياد أخذ بندقيته وتوجه الى الوادي الذي أنحدر منه ذيب ورفاقه باحثاً عن الصيد ، وعندما رأى ذيباً وجماعته أختفى تحت شجرة وأطلق عليهم عياراً نارياً ، فأراد الله أن تصيب ذيب أصابة مميته ، لقد حلت الكارثة الكبرى على الشيخ الطاعن بالسن شالح بن هدلان ، أنه فقد كل أمل في الحياة ، فقد كل ركن على وجه الأرض ، فقد الشجاعة الفذة ، فقد الكرم الحاتمي ، فقد الأبن البار ، فقد الأبن المطيع ، لقد خر ذيب صريعاً وودع الخيل وصهيلها ، وودع الأبل وحنينها ، وودع أباه الذي هو بحاجة الى بره وعنايته ، ترك ذيب شالحاً حزيناً ، وودع ذيب قحطان المجيدة ، وودع سنانه ورمحه وبندقيته ، ونقع الخيل وهزج الأبطال ، ودع ذيب نجداً العزيزة ورياضها ، وودع غزلان الريم والأرانب وطيور الحباري التي كان يصطاد منها لوالده ، لقد أنقشعت هالة الفضل التي كانت تحيط الشيخ شالح بالحنان والبر والفضيلة التي ضربت أروع مثلاً بين الأبناء والأباء ، بعدما سقط ذيب على الأرض أناخ رفاقه مطاياهم وتسابقوا اليه وضموه على صدورهم ، فوجدوه جسماً بلا حياة ، وأنهالوا عليه بالقبل ، وودعوه بدموعهم الساخنة ، ثم وضعوه بكهف بجانب الوادي ، وقفوا راجعين الى أهليهم ،أما الصياد الذي أطلق النار على ذيب فقد ظل مختبئاً تحت الشجرة ، الى أن رأى الركب قد ولى فأتى الى مكانهم ووجد الدم يلطخه ، ثم عمد الى ذيب وهو بكهفه ، وعندما رآه وجده شاباً وسيم الطلعة ، وفي خنصره الأيمن خاتم فضي ، وكانت رائحة الطيب تعج منه ، وكان لباسه يدل على أنه شخصية بارزة فرجع الى جماعته الذين يستقون من البئر ، فسألوه عن الرمية التي سمعوها عنده ، فقال أن ركباً من الأعداء أنحدروا من الوادي وبعد أن رأوكم نكصوا راجعين فأطلقت عليهم عياراً نارياً قتل منهم شخصاً تبين لي أنه زعيمهم ، وقد وضعوه في كهف بجانب الوادي ، فقالوا ما دلك على أنه زعيم ؟ فبين لهم أوصافه ولباسه الذي عليه ، وأن في خنصره خاتماً فضياً فقالوا : هيا بنا لنراه ، وكانوا من قبيلة برقا أحد جذمى عتيبة ، وكان معهم فتاة فد جلا أهلها منذ سنة الى قبائل قحطان لأسباب حادثة وقعت بينهم وبين بعض قبائلهم من عتيبة ، وعندما رأوا ذيب بالكهف ورأته الفتاة صاحت بأعلى صوتها وقالت : ويحك هذا ذيب بن شالح بن هدلان الذي كنا بجواره بالعام الماضي ، فشتموها وقالوا ربما أن بينك وبينه صداقة ولهذا السبب صحتِ بأعلى صوتك ، فقالت : لا والله لم يكن بيني وبينه أي شي من هذا ، ولكن أكرمنا وأعزنا وأجارنا وكان لا يأتي من الفلا الا ومعه صيد ويأتي بقسمنا نحن جيرانه حامله بيده ، وعندما يقترب من بيوتنا يغض نظره الى الأرض ثم يضع ماجاء به من الصيد ويدبر دون أن يرفع طرفه بأمرأة من جيرانه ، وهذه طريقته بالحياة ، وعليكم أن تسألوا عن خصاله ، وينبئكم عن ذلك من عرفه ، فهو بعيد كل البعد عن الرذيلة ،
ما أكبر المصاب على شالح ، لما وصل رفاق ذيب وأخبروه بما حدث ، لاشك أن خطب شالح عظيم ، وأن وقع نبأ مصرع أبنه على قلبه أشد وأنكى من طعن الحراب ، ولا شك أنه سيجرع ويلات الحزن ومرارته ، ومآسي الفراق ولوعاته .


واذا المنية أنشبت أظافرهاألـفـيـت كـــل تمـيـمـةٍ لا تـنـفــع
أنها كارثة كبرى ، ليست على شالح فقط ، بل على عائلة آل هدلان وعلى قبيلة الخنافرة وعلى قبيلة قحطان الكبرى ، وقد قال شالح أشعاراً كثيرة بعد وفاة أبنه ، وأول ما قال هذه القصيدة :
 
يــا ربـعـنـا يـالـلـي عـلــى الـفـطـر الـشـيـبعــــــز الله أنـــــــه ضـــــــاع مــنــكـــم وداعـــــــه
رحتوا على الطوعات مثل العياسيبوجـــيـــتــــوا وخــلــيـــتـــوا لــقـــلـــبـــي يـــضــــاعــــة
خــلـــيـــتـــوا الـــــنــــــادر بــــــــــــدار الأجــــانــــيــــبوضـاقــت بـــي الأفـــاق عــقــب أتـسـاعــه
تــــكـــــدرن لـــــــــي صـــافـــيـــات الــمــشــاريـــبوبالعـون شفـت الـذل عـقـب الشجـاعـة
يــا ذيــب أنــا بـوصـيـك لا تـأكــل الـذيــبكـــــــم لــيــلـــةٍ عـــشــــاك عـــقــــب الــمــجــاعــة
كــــــم لــيــلــةٍ عـــشــــاك حـــــــرش الـعــراقــيــبوكــــــم شـــيـــخ قـــــــومٍ كـــزتــــه لـــــــك ذراعـــــــه
كـــــفـــــه بـــعـــدوانــــه شـــنـــيــــع الــمـــضـــاريـــبويـســقــي عــــــدوه بــالــوغــى ســــــم ســـاعـــه
ويضحـك لـيـا صـكـت علـيـه المغالـيـبويـلــكــد عــلـــى جــمـــع الــعـــدو بـانـدفـاعــه
وبـيــتــه لـجـيــرانــه يــشــيــد عـــلـــى الــطــيــبولـلـضـيـف يـبـنــي فــــي طــويــل الـرقـاعــه
جرحي عطيب ولا بقى لي مقاضيبوأفخـت حبـل الوصـل عقـب أنقطاعـه
كـــنـــي بـــعـــد فـــقــــده بــحــامـــي الـلــواهــيــبوكــنــي غــريـــب الـــــدار مــالـــي جـمــاعــه
مـن عقـب ذيـب الخيـل عــرج مهالـيـبيـاهـل الـرمــك مـــا عـــاد فـيـهـن طـمـاعـه
قالوا تطيب وقلت وش لون أبا طيبوطـلــبــت مـــــن عــنـــد الـكــريــم الـشـفــاعــه
وأردفها بهذه القصيدة وعلى نفس البحر والقافية ، وقد رويتها عن الأمير عمر بن سلطان أبا العلا وأكد لي أنه رواها عن والده سلطان الذي عاصر شالح وأبنه ذيب ، وبهذه القصيدة الأخيره لم يخف آلامه ولواعجه ، فجاوب الذئاب بعويلها ، ثم رجع الى خالقه وطلب منه الفرج ، ثم لام نفسه وأعترف بأنه هو السبب بتحريض أبنه على غزوته المشؤومه ، وبعد ذلك عزى نفسه بركوبه الهجن ، وأنه يتقدم بها على أعدائه حتى ينيخها على مقربة من بيوت الكبار ، ويتخطى الأطناب ، ويكسب الناقه الحائل التي تهاوي الجمل ، وتجعل منه خليلاً لها ، وأخيراً أخذ يوصي جماعته بأن يختاروا ( المناسب ) الطيبة ليأتيهم أولاد طيبون نجباء وقال لهم : ان الردي تأتي بولد لا يهمه أكثر من نفسه ، وأن يشبع بطنه ، ردي الهمه ميت الأنفه ، تافه الشخصية ، وهذه هي القصيدة :
 
ذيــــب عــــوى وأنــــا عــلـــى صــوتـــه أجــيـــبومـــــن ونــتـــي جــضَـــت ضـــــواري سـبــاعــه
عــــز الله أنــــي جــاهــل مــــا أعــلــم الـغــيــبوالـــغـــيـــب يـــعـــلـــم بـــــــــه حـــفـــيــــظ الـــــوداعـــــه
يالله يـــــــــــــــــا رزاق عــــــــكـــــــــف الـــمـــخـــالــــيــــبيــــــــــا مـــحـــصــــي خـــلـــقــــه بـــبـــحــــره وقـــــاعــــــه
تـــفــــرج لـــمــــن صـــابــــه جـــــــروح مــعــاطــيــبوقـــلـــبـــه مــــــــــن الـــلـــوعــــات غــــــــــادٍ ولاعــــــــــه
ان ضاق صدري لذت فوق المصاليبمــانـــيـــب مــــــــن يـــشـــمـــت فـــعـــايـــل ذراعـــــــــه
صــار السـبـب مـنـي عـلـى منـقـع الطـيـبونـجـمــي طــمـــن بـالــقــاع عــقـــب أرتـفــاعــه
يــــــا طــــــول مــــــا هـجـيـتـهــن مـــــــع لــواهــيـــبولانـــــــي بـــــــداري كــســرهـــا مـــــــن ضـــلاعــــه
ويـــــا طـــــول مـــــا نـوخـتـهــا تـــصـــرخ الــنــيــبوزن الــــبــــيـــــوت الــــــلـــــــي كــــــبـــــــار ربــــــاعـــــــه
وأضــــــوي عـلــيــهــم كــنــهـــم لـــــــي مــعــازيـــبالــــــيــــــا رمــــــــــــى زيــــــــــــن الــــوســــايــــد قــــنــــاعــــه
أضــــــــوي عــلــيــهــم وأتــخـــطـــى الأطــانـــيـــبوآخـــــــــــــذ مــــهــــاويـــــة الــــجـــــمـــــل بـــانـــدفــــاعــــه
أبــا أنــذر الـلـي مــن ربـوعــي يـبــا الـطـيـبلا يـــــاخـــــذ الا مــــــــــن بـــــيـــــوت الــشـــجـــاعـــة
يـــــجـــــي ولـــــدهـــــا مـــــــــــذرب كـــــنــــــه الـــــذيــــــبعــــــــــز لـــــبـــــوه وكــــــــــل مــــــــــا قــــــــــال طـــــاعــــــه
وبـنــت الـــردي يـأتــي ولــدهــا كــمــا الـهـيــبغــــــــبــــــــنٍ لــــــــبــــــــوه وفـــــاشـــــلــــــه بـــالـــجـــمــــاعــــة
يــاكـــبـــر زولـــــــــه عــــنـــــد بــــيـــــت الــمــعــازيـــبمــــــتـــــــحـــــــري مــــــــــتــــــــــى يــــــــــقــــــــــدم مـــــــتـــــــاعـــــــه
وبقي شالح حزيناً كظيماً يسهر أيامه ولياليه ، ولا يفارق نار قهوته ، وذات ليلة وهو ساهر مع أحزانه ، كان شخص من قحطان يسمى الهويدي قد ضاع صقره ، وأخذ يبحث عنه بالليل ويسأل رافعاً صوته كلما مر بنار قطين منادياً ( من عين الطير ) فعرفه شالح وسكت عنه أول مرة ، ثم عاد اليه مرة ثانية ماراً ببيته ، بعد أن مر بنيران الحي وسأل عن طيره ، ثم أستمر بسؤاله ماراً بكل نار يراها ، وعاد لشالح للمره الثالثه فناداه شالح والهويدي لا يعرف أن النار هي نار شالح ، وعندما دعاه لكز هجينه بعقب رجله وجاء مسرعاً ظناً منه أن المنادي سيبشره بصقره ، وعندما أناخ هجينه وأقترب من المنادي ، تبين له أنه الأمير شالح بن هدلان والد ذيب ، الذي لا زال يصارع أحزانه ، فأعتذر الهويدي لشالح ، وأقسم له بالله أنه لا يعرف أن هذه النار هي ناره ، ثم قبل جبينه معتذراً وطالباً السماح ، فأذن له بالجلوس من حوله ، وأخذ شالح يصب له القهوة ، ثم قال هذه الأبيات :
 
أن كان تنشد يالهويدي عن الطيـرالــطــيـــر والله يـالــهــويــدي غـــــــدا لــــــــي
طيري عذاب معسكـرات المساميـرأن خــــــــل عــــنــــد قــطــيــهــن الــجــفــالـــي
أن جــــا نــهــار فــيـــه شـــــر بـــــلا خــيـــروغـــدا لـهــن عـنــد الـطـريــح أجـتـوالــي
ان دبــــــــرن خــــيــــل وخــــيـــــلٍ مــنــاحــيـــروغــــــدن مـــثـــل مــخــزمـــات الـجــمــالــي
عـلـى الـرمـك صـيـده عـيــالٍ منـاعـيـروشـره عـلـى نـشـر الحـريـب المـوالـي
يضحـك ليـا صكـت عليـه الطوابيـرطير السعد قلبه من الخوف خالي
خــيــالــنـــا وان عــــرجـــــدن الـمــظــاهــيــروزيــــــزوم عـــيـــراتٍ طـــواهـــا الـحـيــالــي
غيثٍ لنا وان جت ليالي المعاسيروبـالـشــح ريــــفٍ لـلـضـعـوف الـهــزالــي
يـســقــي ثـــــراه مـــــن الــروايـــح مــزابــيــرتمـطـر عـلـى قـبـرٍ سـكـن فـيـه غـالــي
لا شك أن طير شالح يصيد أفذاذ الرجال ، كما قاله في أشعاره ، اما طير الهويدي فهو لا يصيد الا الأرانب والكروان ،رحم الله شالحاً وأبنه ذيباً ، لأنهما سجلا مفاخر قيمة لكل من يقطن نجد ،، أننا نودعهما بالرحمة ودعوات الغفران ، ونشيعهما بما يشيع الأبطال المغاوير ، الذين أبقوا لهم ذكراً في الآخرين ، شجاعة وكرماً وشمماً وطيب أحدثوه .
منقول
كتاب ابطال من الصحراء
للامير السديري رحمه الله 

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016