»نشرت فى : الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الدحية

الدحية


تقديم:
يؤدي الرجال في النقب وشمال سيناء ثلاثة أنواع من اللعب الليلي , يبتدع الشعراء خلاله الشعر الغنائي , الذي يتوافق مع إيقاع تصفيق الأيدي الرتيب , وترقص أمامهم النساء ,
وهذه الأنواع هي : الدحّيّة , السامر , المربوعة (المشرقيّة) , وسنتكلم عن كل لون منها بالتفصيل .

وهي عند البدو بمثابة المسرح في المدينة , غير أنه يحق لكل فرد أن يشارك في النشاط حسب مقدرته ورغبته , فالمرء متفرج ولاعب إذا شاء .

المناسبات التي يقام فيها اللعب والغناء:
الختان  – الأعراس – الأعياد – حضور مسافر من سفر بعيد – خروج أحدهم من سجن أو مشفى – عند الشفاء من مرض عضال – عودة الحجيج – عند انجاب ذكر بعد عقم طويل أو بعد عدة إناث – عند العثور على مال فُقد أو أبل ضاعت – عند رؤية أحدهم ذلك في المنام – أحياناً ينذرونه نذراً .


الدحية 

تتوافد النساء بعيد الغروب على بيت "المفرح" , ويتبعهن الأطفال , وترتفع الزغاريد بعد الإنتهاء من تناول العشاء واحتساء الشاي والقهوة المرة , فيصطف الأطفال يصفقون , فترقص أمامهم فتيات صغيرات , ثم يتقاطر الرجال من كل صوب , وينتحي الأطفال جانباً , ويصفق الرجال وهم يشكلون هلالاً مقابل النساء الجالسات , على مقربة من بيت المفرح , ويردد المصفقون لفظة " دحي يوي " ترديداً مستمراً مع التصفيق الحار , ويهزون أجسامهم ورؤوسهم بانتظام , ويتحركون إلى الأمام وإلى الوراء بخطى متناسقة وهم يرتدون لباسهم التقليدي , فتنبري لهم امرأة ترتدي ثوباً طويلاً أسود يلامس ذيله الأرض ومقنعه بعباءة سوداء لا يظهر منها سوى عينها , وبيدها سيف أو عصا , ترقص أمامهم على إيقاع التصفيق وضرب الأرض بالأرجل والأصوات المنبعثة المرافقة للتصفيق , فتارة يخر اللاعبون أرضاً , وتارة يقفزون إلى أعلى مع إطلاق صرخات حماسية , والراقصة تحاكي حركاتهم , وتلعب وهي حذرة , تهوي بالسيف على من يحاول أن يمسها على حين غرة , وبعض اللاعبين يهدر  وآخر يصرخ ثانياً ركبته ماداً يده تجاه الراقصة ليخيفها .

وهناك امرأة عجوز مجرّبة تخرج الراقصة المناسبة القادرة على ضبط اللعب , وإذا رأت أن اللعب يسوده الهرج والمرج تعيد الراقصة إلى أن ينضبط اللعب فتدعها ترقص , وهم يسمون الراقصة " الحاشي " وعندما يبلغ التعب باللاعبين كل مبلغ يحضر الشاعر الذي يسمونه البدّيّع , وربما يكون واقفاً معهم في الصف فيقول بيت بدع بلحن خاص أقرب إلى الغناء على إيقاع التصفيق مثل :

اعطونا الخَمْسِ مْنَ ايديكــم          واعطونا للقايلْ صَــــــــــــــنـِّة
أو:
اســـــــم الله الرحمن الرحيم          دُسْتُورْ يا ملوكَ الأرْضِيّـــــــــة
أو:
اعطونا الحَرِبِيْ من ايديكــم          والمِـــــفْلِحْ يُـــــــذْكُرْ نِــــــــبِيّه

فيرد الجميع على اللحن نفسه لازمة واحدة هي : " رويحاني قول الرِّياده " ويستمرون في التصفيق ولكن بحرارة أقل من السابق وبارتفاع رتيب يؤدونه مع البديّع , والقول الذي يلقيه البديّع في الدحية يسمونه "البدع" أما الذي يلقى في السامر فيسمونه " الرزع " والبدو لا يسمون هذين النوعين شعراً , والشعر عندهم ما ينشده الشاعر مع لحن الربابة وله أوزان عديدة .

وعادة يبدأ البديع يمدح المفرّح مشيداً بكرمه وسعة بيته الذي يدل على يسر حاله , قال أحدهم :
يـــــــــــــــــــــا بـــــــــــــــــيت المفرح          مثل السرايا المبنيّة .

ورجال البادية يهرعون إلى الملعب عند سماعهم الزغاريد , منتزعين أنفسهم من شواغلهم اليومية , وهم يأخذون بالقول المشهور " ساعة صفا لا تفوتها " وقد يترك أحدهم عشاءه أو احتساء غبوقه , قال أحدهم :
يـــومْ إنْ سِمِعْــــــــــت الزَّغَارِيْتْ          أجْــــــــريْ وإِقْدَاميْ حِــــــــفِيّةْ

وقال آخر :
يـــومْ إنْ سِمِعْــــــــــت الزَّغَارِيْتْ         ياجنوني هـــــــــبّت عـــــــــليّهْ

وقال آخر :
يـــومْ إنْ سِمِعْــــــــــت الزَّغَارِيْتْ         هفيّت العشـــــــــــــوةْ وهي نيّةْ

أو كمن تصيبه الحمّى :
يـــومْ إنْ سِمِعْــــــــــت الزَّغَارِيْتْ         أتـــــــــراجف زي المحمـــــــيّةْ


يضع بعض المارّة أحدهم آذانهم على الأرض ليحددوا مصدر الضوضاء المنبعثة من الملعب ليتجهوا إليه , قال أحدهم :

واحـــــــنا جِـــــــــيْنَا ســـــرّايينْ          لا عِـــــــــــــلِمْ ولا دِرِيِّـــــــــــةْ

وهم يشهرون بيت الفرح بوضع الرايات البيضاء فوقه ليقصده القاصي والداني , قال بديّع :

يا بيت المفرحْ والرايــــــــــــــة          تْـــــــــــــذَعْذِعْ فَـــــــــــــــــوقيّةْ


ويعلنون عن الفرح بالزغاريد:

قــــــــــدام البيت وراعيّـــــــــــــه          زغرتي يـــــــــــــــــــا مزغرتيّةْ


وعند بدء اللعب يطالب البديع باحضار الراقصة (الحاشي) , وإذا تلكأت في الحضور يستعطف المشرفة على الراقصات لتخرجها إلى اللعب قائلاً :

أنا داخل ع كبيرة البوش          تجيب حويشي الدِّحيّةْ

ويحذرها إذا ما طالت في إرسالها :
إن ما جــــــــــــابت الحاشي          غلطة لـــــــــــــــــــــساني رديّةْ

وإذا يئس قال :
إن ما جــــــــــــابت الحاشي          يــــــبلاها بلسعة الحيّةْ

وتوجه أحدهم إلى مخاطبة الراقصة مباشرة :
في عرض حمود إلكِ قعودْ          بس لوجي يا ذوبةْ لوجي

وقد يناديها أحد اللاعبين بقوله " إر إر " وهي لفظة تنادى بها الأبل , فيرد عليه البديع :
لــــــــيش تْـــــــــــرَارِيْ للبِعير          ما عَيْنَكْ أوسعْ مِنْ عَيْنَه
(أي أنها تبصر أكثر منك)

وعند حضورها يرحب بها البديع :
عــــــيون السّو عنّه في الجو          طبّن غــــــاديّه ودونيّه

ويأمرها بالطواف على اللاعبين كافة :
خْذِيْ كِذِيْ وِخْذي كذِي          وارضي جميع الكليّةْ

وإذا رأى البديع أن أحداً يضايق الحاشي هدده :
اللـــــي يْـــــــــــــقَرّبْ للـــــــــــحاشي          لاقْطعْ ذُرّيْتَه مِنْ مَرّةْ

أو يقول :
اللـــــي يْـــــــــــــقَرّبْ للـــــــــــحاشي          بــــالرَّمِلْ لادِبِّ عْيُونَهْ

أو:
اللـــــي يْـــــــــــــقَرّبْ للـــــــــــحاشي          لاتِلّهْ وانّـــــــــــي فُوْقِيَّهْ

قد يكون أمام بيت "المفرح" صف من اللاعبين أو أكثر , وقد يكون صف للصغار أيضاً , وترقص أمام الصف راقصة أو اثنتان ملتصقتان جنباً إلى جنب , تؤديان الحركات نفسها , وقد يزداد عدد الراقصات إذا كان صف اللاعبين طويلاً , وأحياناً تضع إحدى الراقصات ابريق ماء على رأسها , وتلعب الليل كله دون أن يقع الأبريق أو يُسكب منه الماء رغم انها تنثني أو تجثو على ركبتيها أو تقرفص , وإذا تعب اللاعبون أو تباطؤوا في اللعب تخط الراقصة أمامهم خطوطاً بالسيف وتشير بعلامات دالة على التحدي , مما يزيدهم حماساً ونشاطاً , ويرفدهم الجالسون خلف الصف بلاعبين أخذوا قسطاً من الراحة , فيصفقون بحرارة وتبح أصواتهم وهم يرددون بصوت مرتفع " دحي يوي ... دحي يوي " ثم يريحهم البديع وينشد بيتاً فيقفون ويرددون اللازمة ويستمر هو في البدع .
يقام اللعب في الليالي المقمرة أو المظلمة وفق المناسبات دون إضاءة في البادية أما في ضواحي القرى والمدن فأخذ البدو يشعلون المصابيح لإنارة ساحات لعبهم , ويختارون كثيباً رملياً مرتفعاً للعب عليه في الأعياد يؤمه الجميع , وفي المناسبات الخاصة ينصب بيت جديد جوار بيت أهل الاحتفال ليقام اللعب في حضيرته شتاء وأمامه صيفاً .
يعتد البدو الأشهر القمرية فقط وهم لا يقيمون في شهر شعبان أي احتفال ويسمونه ((الشهر القصيّر)) وكذا لا يقيمون أفراحهم بين عيدي الفطر والأضحى , أما بالنسبة للأيام فأحب الليالي إليهم ليلة الاثنين , يقولون (( يوم الاثنين وَجْبٍ زَيْن )) وليلة الخميس وليلة الجمعة , وهي الليالي التي تقام فيها الحفلات من زواج وختان وصلح , وقبائل كثيرة تتشاءم من ليلة الأربعاء خصوصاً التي تقع في نهاية الشهر القمري ونهاية السنة , ويقال عنها (( الأربعاء التي لا تدور )) ويقولون : (( الأربعة مجربعة )) ويقولون (( يوم الخميس فصل وقيس )) و (( يوم الأحد ما يغلبك أحد )) .
كثيراً ما يبدع في الدحيّة بديّع واحد , وقد يشاركه آخر أو اثنان , وذلك بأن يرفع البديع الجديد يده مشيراً إلى رغبته في المشاركة أو مستأذناً , وقد يدخل في الصف إلى جانب البديع الأول ويهمس في أذنه أو يهمزه في كتفه ليفسح له المجال , يقول البديع الجديد :

يمسيك بالخير يا لاقي خير          مسيّةْ تعقب مسيّةْ

أو:
خـــلّــــــوا للـــضيف خْــــرَيْمِـــــةْ          مِقْدَارْ ما يْوَلّعْ عُرْفيّهْ

أو:
يــا بــــــــديع خَـــــــلْنَا نِـــــتْشَارَكْ          والشرِّكِةْ مِنْ طِيْبَ النّيّةْ

فيرد البديع الأول مرحباً :
يـــــــــــــا مرحبــــــابــالليِّ لَفَى          ع راسي مِنْ فُوْقَ ايْدَيّهّ

يقف البديع جانب صف اللاعبين إذا كان كبير السن لا يقوى على أداء الحركات التي يؤديها الشباب الذين يقفزون في إلى أعلى تارة ويخرون مقرفصين تارة أخرى , ويسمون هذه الحركات "الكسرة" .

يجلس الشيوخ المسنون قرب مواقد النار يحتسون القهوة ويستمعون إلى البدع ويحفظونه عن ظهر قلب , خصوصاً البدع الجيد والمسلي منه , لأن البدع أساسأ ابتدع ليروّح عن سكان الصحراء ويسليهم , وسنفي هذا الموضوع حقه عند تكلمنا عن أغراض البدع .

يحث البديع الراقصة والنساء القاعدات على الزغاريد ليلهب حماس اللاعبين قائلاً :
زغــــــــرتي يـــــــا لــــــبيبةْ          زغريته تُطْرِدْ زُغْرَيْتِهْ

أو
يـــــــــــــا بنيّة عِجِّي الزغاريت          عِجِّيْهِنْ سَبْعِةْ سِوِيِّةْ

والبدو يعتبرون الرقص أملم الدحيّة عملاً فنياً محضاّ , ولا يعدونه تهتكاً واستهتاراً , قال أحدهم يفتخر بكونه سليل أرباب البدع والرقص :
أنا بَــــديِّع وابـــــــوي بدّيع          وأمّـــــــي رقّاصَةْ نَشْمِيِّةْ

وهذا بديع آخر يعترف أن البدع جله يدخل ضمن المبالغة والكذب أو حتى الحرام , ويعزو فقره لامتهان البدع :
الْـــــــــبَدِعْ قَـــــــــــــــطّعْ عَـــــــــــبَاتِيْ          وِالْحَقْ عَ بَاقِي الطَّاقِيَّةْ

وقد تخطف الراقصة بطرف عصاها أو سيفها عمامة أو عقال البديع أو أحد اللاعبين أثناء اللعب , دالة بذلك على اعجابها به , وتضع ما تأخذه على رأسها وتواصل الرقص .

وأهل الحي يعرفون شخصية الراقصة رغم تخمرها , يعرفونها من أدائها وسيرها , فهم أصحاب فراسة وقفاية حادة , ومن الجدير ذكره أن نساء بادية النقب وسيناء يغطين وجوههن حتى في بيوتهن , فالبنات يرتدين النقاب وهو قطعة قماش سوداء مطرزة الحواف تغطي وجه الفتاة من تحت عينيها إلى رقبتها , وتربط من الخلف بخيط , وتضع على رأسها وقاة وقناعاً , أما المرأة المتزوجة فتغطي وجهها بالبرقع , فلا يظهر من وجهها سوى عينيها , وكذا ترتدي على راسها وقاة تحت القناع أو العباءة السوداء , وزينة نساء البادية هناك الكحل والقلائد وحجول الأرجل وأساور الأيدي وخواتم الأصابع والوشم والحناء , ومن العطور القرنفل .

والرقص أمام الدحية ليس عملاً مخجلاً أو مهيناً فقد ترقص ابنة شيخ القبيلة أو زوجته , وقد يبدع الشيخ نفسه , خصوصاً  إذا كان الحفل له  أو لأحد أقاربه , غير أنه قد يمنع أحدهم نساءه من الخروج إلى اللعب , نظراً لتدينه , وإذا علم أحدهم أن ابنته تعشق شاباً منعها من الخروج ولو كان المعشوق ابن عمها , وكثيرات اللواتي يتوسلن إلى عماتهن أو خالاتهن للتوسط لدى أهلهن للسماح لهن بالخروج إلى الملعب للّعب أو التفرج , وإذا لم تفلح الوساطة قد تعمد إحداهن إلى الحيلة , فتذهب إلى اللعب سراً مع صديقاتها وهي متنكرة , ويحكى أن أحد البدو منع ابنته من الذهاب إلى "الدحيّة" وانصرف إلى ديوان القبيلة وعند عودته في الهزيع الأخير من الليل أبصر ابنته ترقص خلف رواق البيت على إيقاع الدحية الذي يُسمع في سكون الليل من بعيد , فانسل إلى مرقده دون أن تراه وقال في نفسه "الراقصة راقصة" وفي الليل القادمة أذن لابنته أن تذهب إلى اللعب .

إذا أفلحت إحدى الفتيات في الوصول إلى الملعب خفية تظل مختبئة وسط جمع النساء تشاهد اللعب , وتشارك إذا سنحت لها الفرصة بالمشاركة وذلك في غياب أهلها , وقد يُشاهد ينقض على راقصة فيشبعها لكماً وضرباً ويجرها من الملعب إذا حضرت دون موافقته , والفرصة الوحيدة لمثل تلك الفتاة أن يكون أصحاب الفرح هم أهلها لتتفرج وتلعب , غير أن سكان البادية يتساهلون مع نسائهم بعض الشيء أيام الاحتفالات والأعياد .

من كتاب " فنون الأدب والطرب عند قبائل النقب "
عبد الكريم عيد الحشاش العامري

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات/ سالم بن فريج الأحيوي / 2016