»نشرت فى : الأحد، 20 أكتوبر، 2013»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

تحرير بوادي مصر

 عن قبائل البدو في مصر
أكتوبر.. وتحرير بوادي مصر  


علي الفاتح
لا ينبغي أن تظل رؤيتنا للأمن القومي فيما يخص حدودنا الغربية والشرقية قاصرة على المفاهيم الأمنية البحتة والمتعلقة بغلق ومحاصرة منافذ التهريب أو تشديد التواجد الأمني والعسكري لحماية أرض الوطن.
فمن المستحيل أن تستطيع دولة مهما بلغت قدراتها العسكرية تأمين كل نقاطها الحدودية بشكل كامل، ولعل الأعوام القليلة الماضية قد أمدتنا ببعض الدروس، فالإرهابيون في غزة لم يعدموا حيلة للتسلل إلى سيناء عبر أنفاق تحت الأرض أو دروب تمتد فوقها بين الجبال والوديان، ومهربو السلاح دائمًا ما كانوا يجدون نقاطًا آمنة للعبور بمختلف أنواع الأسلحة على طول حدودنا الغربية.
لذلك ستظل أولى ركائز الأمن القومي لتأمين أطرافنا البعيدة هي معرفتنا بالإنسان الذي يقطن تلك الأطراف، ولا خيار أمامنا سوى هذا، لاسيما أن هناك أفكارًا وتصورات نمطية خاطئة في معظمها عن مواطنين من سكان بادية مصر.
أخطر ما نجهله أن القبائل والعشائر البدوية لها امتدادات في معظم المحافظات المصرية، فعلى سبيل المثال تنتشر في المناطق الممتدة بين المعادي وحلوان وإلى الغرب منها على الضفة الأخرى من نهر النيل بالصف عشائر تنتمي لقبائل بدو الشرق، أقصد سيناء، ومن أشهرها قبائل الترابين وبني مطير والشهباني.
الأكثر من هذا تنتشر في بعض أحياء القاهرة مناطق تسكنها أسر وعشائر بدوية منها عرب المعادي، عرب الجسر، عرب المساعيد، وعرب الشرفا بحلوان.
وتتمدد قبائل بدو الصحراء الغربية من الإسكندرية والبحيرة شمالًا إلى الأطراف الغربية لمحافظات الصعيد، بمعنى آخر أن البادية المصرية حاضرة بعاداتها وتقاليدها وامتداداتها العشائرية على أطراف وتخوم وادي النيل وفي قلب مدنه ومحافظاته أحيانًا، ومع ذلك نحن لا نعرف عنها الكثير رغم أن هذه التجمعات البدوية انتقلت إلى قلب الوادي بعاداتها وتقاليدها، فلاتزال تلجأ للقاضي العرفي لحل المشكلات بين أفرادها، وترفض تزويج بنات البدو لغير أبناء القبائل، فلايزالون يرددون مثلًا شائعًا يقول"البدوية ياكلها تمساح ولا ياخدها فلاح"، وبعضهم ممن يسكنون بالقرب من المناطق الصحراوية بحلوان والصف والإسماعيلية لايزالون يمارسون عادة الصيد ويسمونها "القنص" أو "الجنيص"، وهي رحلة تمتد لأيام يخرج فيها البدوي إلى الصحراء لا يحمل سوى الماء وسلاح الصيد، في عرب الشرفا يخرجون للقنص بين شهري يونيو ونوفمبر لصيد الغزلان والأرانب البرية.
البدو أيضًا لايزالون يرددون ويألفون الشعر النبطي ويحيون أفراحهم بالسامر و"الدحية" وهما أشكال فنية للغناء والرقص، ومازالت بعض العجائز يحفظن ما يسمى بـ"رزع العجائز" وهي طريقة في الأداء ترددها العجائز من النسوة لاسيما في الأحزان.
في بادية سيناء والإسماعيلية ينتشر شعراء "النبط"، الأمر ذاته في الصحراء الغربية وقبائلها التي تختلف لهجتها بعض الشيء عن بدو الشرق فهم يغنون على "المجرونة" وهي آلة موسيقية تشبه المزمار، ويرقصون على إيقاع  مميز لا تخطئه أذنك يعبر عن الامتداد الطبيعي لتلك القبائل في ليبيا.
لاتزال القبائل في مصر يفضلون شرب القهوة بعد حمس البن في "المحماسة"، ولايزال الشاي مميزًا بطعمه وطريقة طبخه عند بدو الغرب.
أجمل ما في بادية مصر أنها ثرية ومتنوعة في الفنون والتراث وطبائع الناس، التي تختلف بحسب اختلاف الامتداد الصحراوي، لكن المؤسف حقا أننا لم ندرك بعد هذا التنوع وقيمته ولم نفهم هذا الإنسان الذي ينتمي لتلك الصحراء ويعتز بقوانينها، ونكتفي بإطلاق الأحكام العمومية على نحو يدفع هؤلاء المواطنين للعزلة الجبرية.
وقد حاولت القبائل البدوية في مصر منذ 2011 وبعد أحداث انتفاضة 25 يناير، أن تجد أشكالا سياسية للتعبير عن نفسها، وبالفعل نشطت بعض القبائل في إنشاء أحزاب سياسية لها توجه عروبي، وفي واقع الأمر معظم من ينتمون إليها من بدو مصر ولولا أن القانون يحظر إنشاء أحزاب على أساس عرقي لقالوها صراحة.
والمهم هنا أن نبحث هذه التعبيرات السياسية كونها محاولة للفت الانتباه لما تعرض له بدو مصر من تجاهل وإنكار لوجودهم كمواطنين صالحين.
ظني أن الدولة هنا تتحمل المسئولية الأكبر على أن يكون مدخلها الرئيسي هو الإنسان، ليس بفرض ثقافة سكان النهر وإنما بدمج ثقافة الصحراء مع ثقافة النهر، ولن يحدث ذلك إلا بنقل وتوصيل تلك الثقافة إلى سكان النهر من خلال وزارتي الثقافة والإعلام، فليس من المعقول أن تستقبل الأذن المصرية إيقاعات وموسيقى وأصوات مطربي الخليج العربي وأغاني الراب الجزائرية وتفشل في أن تستقبل إيقاعات البوادي المصرية بثرائها وتنوعها في الشرق والغرب.
إذا أردنا حديثًا جادًا عن الأمن القومي فلابد وأن يشاهد المواطن البدوي ويسمع ذاته مترجمة في وسائل إعلام بلده حتى يدرك أن وجدان المركز حريص على الاندماج مع وجدانه، لابد وأن يجد مسلسلًا دراميًا يعبر عن حياة البادية  بتطوراتها وتحدياتها ومشكلاتها تمامًا، كما نشاهد أعمالًا درامية خاصة بالصعيد، على أن يؤدي الممثل اللهجة البدوية كما ينطقها أهلها، مع مراعاة الاختلاف بين بدو الشرق وبدو الغرب، فمعظم  المشاهد النادرة التي أتيحيت في الأعمال الفنية كان نطق أو طريقة أداء الممثلين للهجة البدوية أقرب للأداء الساخر، وإن كان ذلك عن غير عمد أو قصد، لكن رد فعله بالغ السوء فهو يعكس عدم اهتمام حقيقي.
أيضًا لابد أن تتبنى وزارة الثقافة المصرية مسابقة شعرية لتشجيع شعراء النبط من بدو مصر، وتستطيع تنظيم مثل هذه الفعالية مع مهرجان شاعر المليون، الذي يقام في دولة الإمارات العربية المتحدة،  مثل هذه الأشياء البسيطة لن تكلف الدولة الشيء الكثير، وعوائده النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية لا يمكن مقارنتها بحجم ما سينفق عليها.
وأشدد هنا على دور الدولة في المقام الأول وهذا لا يعني إهمال أو تجاهل دور مؤسسات المجتمع المدني، لكنه يعني أن تقوم الدولة بالدور الأكبر ثم تدخل كشريك في أنشطة وفعاليات المجتمع المدني فهذه المناطق شديدة الأهمية والخطورة ولابد من الاطمئنان لمن سيمارس نشاطًا فيها حتى لا يكون من حاملي أجندات التقسيم المغلفة بشعارات حقوق الإنسان.
ما أتمناه أن تأتي أعياد تحرير سيناء في أبريل المقبل ويكون هناك من أعد مهرجانًا كبيرًا هنا بالقاهرة  وليكن في ميدان التحرير يكون بمثابة معرض كبير لفنون وتراث وفلكلور بادية سيناء مصحوبة بأغاني السامر ورقصات الدحية ومسابقة كبيرة لشعراء النبط من أبناء جميع القبائل البدوية في سيناء.
وليتكرر نفس الأمر في الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة مرسى مطروح، فالهدف هو نقل ثقافة البادية إلى أذن وجدان ثقافة المركز، بل إنه من واجب كل محافظة  يقطنها عشائر البدو أن تحرص على تقديم فنونهم وتراثهم في احتفالاتها ومهرجاناتها، ولا أستثني من ذلك محافظة القاهرة.
بتحرير بادية مصر من عزلتها الثقافية، واكتشاف حقيقة سكانها من البدو المصريين، تكتمل استراتيجيات تأمين الحدود من الإرهاب والتهريب.
البوابة نيوز :

http://www.albawabhnews.com/articles/179845

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016