»نشرت فى : السبت، 14 ديسمبر 2013»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

قص الاثر

قص الاثر 




في يوم من الايام تقدم رجل الى امير مكة وابلغه ان لديه راعيا يأخذ الابل كل يوم صباحا ويرعاها في الصحراء ويعود بها مساء ، وقد خرج مع الابل صباح امس كعادته ولكن الابل عادت الى البيت وحدها ظهرا وان الراعي لم يعد معها وانه يخشى ان مكروها قد حل براعي ابله الامين وان الابل عادت الى البيت وحدها من الفزع .
استدعى الامير ضابط الشرطة وامره ان يخرج للبحث عن الراعي ، وخرج الضابط ومعه صاحب الابل ومعه ايضا قصاص الاثر المري ، وعندما وصلوا الى المكان الذي اعتاد الراعي رعي ابله فيه ، كان كل اثر للراعي قد اختفى ، وربما يكون قد قتل ، ولكن جثته ـ اذا كان قد قتل ـ لم تكن موجودة ، ولم يكن هناك أي اثر يمكن الاستدلال منه على حدوث شئ ما ، وعلى الفور طلب ضابط الشرطة من الرجل المري كشف هذه الالغاز .
صعد قصاص الاثر الى سيارة الجيب ، ونظر حواليه مليا ، ثم نزل والقى نظرات فاحصة على المنطقة ، ثم جثا على ركبتيه واخذ يفحص اثرا هنا واثرا هناك ، ثم اعلن للضابط وهو يشير بيده الى مجموعة من الشجيرات ان ثلاثة اشخاص زحفوا نحو تلك الشجيرات وكمنوا هناك للراعي المنكود ، اثنان منهم طويلا القامة وبدينان يحمل كل منهما بندقية ، اما الثالث فهو نحيل واعور ، وان الرجلان المسلحان قد اطلق كل منهما طلقة نحو الراعي فقتلاه ـ بغية سرقة الابل على ما يبدو ـ ولكن الابل اصيبت بالفزع لما حدث وفرت عائدة الى منزل صاحبها ، فيما قام القتلة بسحب الجثة واخفائها ولاذوا بالفرار ، وانه سيقوم بمطاردتهم الان .
صعد الجميع الى السيارة ، وبدأ قصاص الاثر المري ينظر الى الاثار من حوله ويوجه الضابط يمينا وشمالا ، الى ان وصلت السيارة الى منطقة صخرية اختفت عندها الاثار تماما ، وعندها نزل الرجل المري من السيارة ن واخذ يسير مسافات بعيدة في عدة اتجاهات ، ثم وقف واشار للضابط انه قد وجد الاثر وان الثلاثة الذين يطلبونهم قد اتجهوا جنوبا ، وكانت الارض مغطاة بالحصى وليس من السهل تتبع الاثر فيها ولكن المري وثب الى مقدمة السيارة واخذ يراقب الحصى ويستدل من تزحزحه في بعض المناطق على اتجاه سير المطاردين ، وبعد مدة من السير البطئ وصلوا الى نبع ماء نمت بقربه بعض اشجار النخيل … وهناك وجدوا ثلاثة اشخاص جالسين هناك ، اثنين منهما بدينان ضخما الجثة ، والثالث نحيل واعور ! 

فوجئ الرجال الثلاثة بمرأى الضابط وجماعته ولكنهم تمالكوا أنفسهم وبادروا القادمين بالسلام والتحية ، ولكن قصاص الأثر المري اجابهم : لاسلام لمن يقتل .
واحتج الرجال الثلاثة وقالوا له انه يتهم اناسا ابرياء ، وانهم سيشكونه الى الامير ، فتدخل الضابط وقال لهم انه سيصطحبهم الى حيث يرون الامير ويتقدمون له بالشكوى ، ثم اخذهم معه الى المدينة المقدسة بعد ممانعة بسيطة لانهم لم يريدوا ان يثيروا شكوك الضابط ، وما ان وصلوا الى مكة حتى بدأ التحقيق معهم كلا على انفراد ، ولكنهم اصروا طيلة يومين كاملين انهم ابرياء .
وفي مساء اليوم الثاني كان الضابط محتارا ، فليس عنده أي دليل على اتهامهم الا كلام الرجل المري ، ولكن الا يمكن ان يكون المري ـ رغم براعته الفائقة ـ قد اخطأ هذه المرة ؟ ألا يمكن أن يكون هؤلاء الرجال أبرياء ؟ 
واستدعى الضابط الرجل المري وافضى اليه بشكوكه وحيرته ، فاكد له المري ان الرجلين البدينين هما القاتلان وان الرجل النحيل كان معهما ، وازدادت حيرة ضابط الشرطة ، وجلس يفكر مليا ثم امر باحضار عباءة ثمينة ونعل مزركش وصرة نقود ، ثم امر باحضار البدوي النحيل الذي ما ان دخل حتى بادره الضابط قلئلا : لقد امر سمو الامير باطلاق سراحك والاعتذار منك واعطائك هذه الهدية بعد ان اعترف صاحباك انهما القاتلان وانك برئ لم تشترك معهما ولكن يجمل بك ان تحسن اختيار رفاقك في المستقبل ، وهنا صاح الرجل النحيل : نعم والله انا برئ ولم اشترك معهما في القتل بل عارضتهما ، ولكنهما قتلا الرجل ثم هدداني انا ايضا بالقتل ان تكلمت عن شئ .
وابتسم الضابط وتنهد مرتاحا ، ثم قال للرجل : اذا كنت كما تقول فساعدنا بارشادنا الى مكان الجثة ، فاعترف بان الرجلين القاتلين قطعا راس الجثة ودفناه في مكان ، ودفنا جسم القتيل في مكان آخر ، ثم رافق الضابط الى حيث استخرجوا الراس والجثة .
وضع الضابط راس القتيل البرئ في صندوق وضعه على مكتبه ، ثم امر باحضار الرجلين الى مكتبه ، وما ان دخل هذان المجرمان القاتلان ورأيا ما رأيا ، حتى انهارا يطلبان الرحمة ويعترفان بجريمتهما .
ولدى سؤال المري عن الغاز هذه القضية ، قال انها كانت سهلة له ،لان الجريمة وقعت في منطقة رملية ناعمة التراب ،ولم تهب رياح تطمسها وان من السهل عليه معرفة اثار اقدام الرجال من اثار سير الابل ، ثم ان الخطوات الواسعة والاثار العميقة لاقدامهما دلته انهما كانا طويلي القامة ضخمي الجثة ، كما انه لاحظ ايضا اثار استلقائهم على الارض واثار اسلحتهم عندما كمنوا للراعي ، اما كيف عرف ان الرجل الثالث اعور ، فلأن فقدان احدى العينين يؤثر على آثار الاقدام ايضا لان الرجل الاعور يدير راسه من وقت لآخر الى جهة العين السليمة وهذا ما يؤثر على توازن الجسم ، مما ينتج اثارا معينة للاقدام .
هذا ما رواه لي الذين سمعوا هذه القصة ، ووقتها تذكرت القول البدوي المشهور الذي شاع ايام الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ تعليلا لانتشار الامان وسيطرة الحكومة على المملكة ، بان ذلك يعود الى استعمال الحكومة السعودية لاجهزة اللاسلكي في نقل المعلومات والاخبار في الجو اضافة الى وجود قصاصي الاثر الاسطوريين من بني مرة في اغلب مراكز شرطة المملكة على الارض ، حيث يقول البدو : ( في السما بركية ، وفي الكاع مرية ) ، اشارة الى انه لا بمكن لاحد ان يفلت من قبضة القانون .

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات/ سالم بن فريج الأحيوي / 2016