»نشرت فى : الثلاثاء، 28 يناير، 2014»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

من أدب الكبابيش في السودان

من أدب الكبابيش في السودان


عبد الرحيم الأحمدي
يا ام عين قَلْتة ماي

هل لنا اليوم أن نعبر البحر الأحمر وراء إخوتنا الذين جذبتهم الحياة إلى هناك خلف سحابة عابرة، فوجدوا أرضاً خصبة طاب
لهم المقام فيها، فألّفوا جماعات شكلت شعوباً وقبائل امتزجت مع السكان السابقين لتلك البقاع ، فالتقت ثقافة بثقافة، وظلت ملامح كل ثقافة بارزة، فتعطي دلالة على الجذور وعلى تلاقح الثقافات، ونحن هنا لن نتحدث عن الغلبة، ولكن ننقل صورة من التعبير الأدبي والتأثير اللغوي الذي لم يطغ على اللسان العربي بالقدر الذي يفقده مقوماته، وكون الهجرة من أرض تكتسب احترام الشعوب الأخرى التي تتطلع إلى زيارة بيت الله العتيق فيها فإن هذا انعكس ترحيباً وتوطيناً لهؤلاء المهاجرين، على أن الهجرة كانت متبادلة لظروف متشابهة.

نعود إلى أدب الكلمة شكلاً ومضموناً ولنتأمل الأبيات التالية من شعر الكبابيش في السودان.

سَمْحات ثلاث فيات

البِلْ مع البنات

وخيلاً مربطَّات

صهبا مجنبات

ينظر البدوي في قبيلة الكبابيش في السودان إلى ثلاث فئات لهن أهمية في حياته: الأولى الإبل ثروة جميلة تسره مشاهدتها في مراحها ومسراحها، وذلك للفخر بامتلاكها والسعادة بمنظرها. الثانية: البنات لما يغمرن من سعادة وما يتمتعن به من جمال، وما ينجبن من أبناء ، وما يجلبن من أصهار . وحياة البادية تجعل للمرأة دوراً بارزاً في التربية والحياة الاجتماعية يمنحها التقدير والاحترام، كما أن الرجل يجد في تعدد الزوجات متعة حسية ومعنوية، وفي المرأة شريكة حياة فاعلة. الثالثة: الخيل وفي تربيتها الفروسية والفتوة والشجاعة، فهي الرياضة المحببة إليهم في السباقات والصيد، ويسر البدوي بمشاهدة أبنائه يفتنون بتربية الخيل ويمارسون فنون الفروسية.

وفي هذا المجتمع الفطري يستعيد العربي حياته القديمة التي بدأ يعتريها البلى، فيجد ملامحها في تقاليد هذه الحياة الرعوية، وتغذي البراءة هذه المظاهر فيكون للحب معنى عذب يدعو للتصريح به، وفي هذين البيتين الوداعيين نجد عاطفة جياشة وصريحة فلنتأمل:

سَرْجه على مقافي

ودَّعْته في العافي

يا تومي ما تجافي

عهدي معاك صافي

فالسرج يمثل وسيلة السفر، أما السفر فإشارته ( مقافي ) إدارة الظهر للسفر ، مع التمنيات للحبيب المسافر فهي العافية، وتوصيته بعدم المجافاة، والتوكيد بصفاء المحبة رسالة موجزة ومكثفة المعنى تنقلها لنا هذه المقطوعة الشعرية.

وقد تكون مغادرة الحي لفتاة تزوجت فانتقلت إلى مكان آخر مع زوجها، فتقول تخاطب صديقتها "درَيْجة":

يا دريْجةَ واشوقي

نووا لي بالسوق

باسمع حنين نوقي

دايرة عرب ذوقي

لقد تقرر رحيلها إلى ديار زوجها الذي زفت إليه ، فتخبر صديقتها "دريجة" بذلك، معبرة عن ألمها وهي تسمع أنين نوقها الشاعرة بهذا الفراق، فتدور في مراح أهل الفتاة التي تعالج أشواقها قبل أن تتذوق الشوق، وعرب ذوقي تعني أهلها وأترابها.

أما الفتاة الأخرى فهي تعاني من شوقها إلى حبيبها الناجع بإبله إلى مكان بعيد اختاره لخصوبته فتقول:

بَا نْقَبَّل القبلة

وابكي بلا سبلة

باسمع حنين ابله

بَارْكبْ بَاضَاربْ له

إنها تستقبل القبلة حيث مكانه، وتبكي بلا سبب، ورغم بعده فهي تسمع حنين أبله، وأني لها ذلك، ولكنه الحب والمشاعر التي تدعوها للركوب لاستقباله.إنه تعبير برئ نقي، وهي لا تعبر عن حبها بقول رخيص، وإنما تخلع عليه من مظاهر البيئة جميلها، ومن الكلمات أسماها، يقول الشاعر المحب في وصف الحبيبة:

يا ام مبسماً ضواي

يا ام حاجباً نداي

يا ام عين قلتة ماي

فوقها الحمام قوقاي

وسواء قال :

فاطر ضواي، أو: حاجبا نداي أو وضواي، أو: فوقها البلوم، لا يختلف المعنى فهي روايات اخترت أقربها للواقع. والقلتة محبس صخري للماء تنعكس فيه السماء وكل ما علاه من الشجر والطيور العابرة لنقائه وصفائه، وفي تقديري نجح الشاعر في هذا التشبيه.

أما الحبيب المتطلع للقاء، فيقول مشتاقاً:

يا ابو لوناً سمري

وابو حديثاً تمري

الدُّوَّار إني

يا الله تجمع شملي

أيتها السمراء ذات الحديث الحلو كالتمر لقد أصابتني الحيرة والاشتياق إني أدعو الله أن يجمع بك شملي.

أما الذي يعاني من القلق لتعطل أسباب الاتصال والخوف من الجفاء فيقول:

يا طبَيْق الريحة

الرِّيدة لك صحيحة

انت كان جافيت

كلمني بالنصيحة

يا طبق العطر والزهور، أنا صادق في حبي، فهل جفوتني؟ أخبرني وقل لي ماذا أعمل.

أبيات شعرية تردد أغنيات يعبرون بها عما يختلج في صدورهم ، وما يرونه من جمال من يحبون، أبيات تتسم بالإيجاز وتكثيف المعنى، كأنما من نوع "المصدار" الذي اختاره شعراء السودان لهذه الأغراض في الأمور الحاسمة أو العاجلة، ويقابل ذلك "الكسرة" في الشعر الشعبي لدينا، والرباعيات في شعر الفصحى.

وحياة البادية في السودان لا تختلف عن حياة الرعاة أينما وجدوا، فهم يكيفون حياتهم مع حاجة مواشيهم، فيتنقلون وراء العشب والكلأ ويظلون يترقبون مواسم الأمطار وعيونهم مشدودة إلى السماء، فإذا ظهرت تباشير المطر، سحائب الخريف التي يسمونها "أم بشار" آذنت طبول البين بالقلق، فالذين نشأت بينهم ألفة جوار قد يفترقون تبعاً لنجعة كل فريق، وهنا يردد الحي في سمرهم :

من طيرة "أم بشَّار"

جاني السلف قطّار

اتلموا يا عُمَّار

فرق الموالف حار

وأم بشار طائر يتفاءل به، لذا سميت سحب الخريف به، لأن ظهورها يبشر بالمطر، والسلف طلائع النجعة من الشباب الذين يذهبون لتحديد أنسب أماكن النجعة، والأغنية تدعوهم إلى التجمع والتقارب في المنتجع.

ولكن النجعة باعتبارها مؤقتة حيث لا تتوفر أسباب الحياة الدائمة ومصدرها الماء، فإن الناس لا ينجعون بكل مواشيهم وبخاصة الأغنام فقد تجد كفايتها من المرعى ولا تتطلب نجعة، لذا تأملت هذه الفتاة التي لم تنجع فقالت:

الليلة النَّعَمْ سَرَبْ

لي محل السيل قلب

المعز الفي الكرب

ما صادن الجرب

تبكي الفتاة حظها بعد أن رحلت الإبل إلى حيث مواقع المطر، وبقيت هي مع الماعز في كرب ومشقة، وتتمنى أن أصاب هذه الماعز الجرب.

ليلة جميلة قضيتها مع كتاب "ذكرياتي في البادية" للأديب الصحفي الشهير حسن نجيلة، وقد صدرت الطبعة الثالثة في عام 1971م، والذكريات تعود إلى عام 1952م. وفي الكتاب متعة أيما متعة.

http://www.alriyadh.com/2009/04/29/article425640.html

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016