»نشرت فى : الثلاثاء، 7 يناير 2014»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

فقر يدمي القلوب و ولاء يرقى للخيال

فقر يدمي القلوب و ولاء يرقى للخيال


عبيرالزبن
في “بئر مذكور” هناك في الجنوب على طريق وادي عربة، رأيت و سمعت ما لا ترقى لوصفه الكلمات، ولو أتيت بمعاجم اللغة وقواميسها، فالعين ترى وتدمع، واللسان يعجز عن الكلام، والعقل يتوقف عن التفكير، تتجمد الدماء بالعروق، وتحتبس الأنفاس بالصدور، يرتعش الجسد، يستسلم من هول المشهد، هل هو واقع أم خيال هذا الذي أرى وأسمع ؟!
قيض الله لي الذهاب برفقة المحسنة الأردنية، التي طالبتني ألا أذكر لها اسماً، ولكنني أصررت أن أقول إنها “خولة العرموطيأنثى تمثّل أمّة  بهمتها وإحسانها ومد يد العون لصاحب الفاقة، يد تسلم ليد، لتطمئن أن إحسانها ذهب بالاتجاه الصحيح، وأن ما قدّمته هو خالص لله، ويصل إلى من يفرح به مع أطفاله عراة الجسد، بالبرد القارس والزمهرير .
لن أتحدث عنما قدمته هذه المحسنة، فأجرها على الله، ولا تنتظر من أحد أجرا سواه، والله لا يضيع أجر المحسنين، ولكنني سأصف ما رأيت، وعلى يقين أنني لن أنصف من رأيتهم بما أصف، ولن اقترب من ذكر مآسيهم، باعترافي سلفاً عن إيصال الصورة كما هي، وقديما قيل: “رب صورة أبلغ من مئة كلمة”، وسلاحي هنا هو الكلام .
السكن بيوت من الشعر، ممزقة مهترئة لا تقي من قرٍ ولا حر، والهواء والرياح تستعرض قدراتها برفع البيت وخفضه، وتقطيع حباله وخلع أوتاده، فينهدم على رؤوس ساكنيه، ويعلو صراخ أطفالهم خوفاً وذعراً، فلا أمن ولا أمان ولا طمأنينة ولا سكون، بيوت خاوية من أي شيء اسمه غذاء، سوى اليسير من منتجات الحيوان، حتى النار لا يمكن إشعالها إلا بشق الأنفس، نار للطهي والتدفئة معا، من حطب قليل مشبع برطوبة الماء والثلج.
 
الغنم والماعز هي ثروتهم الرئيسة، لكنها لا تتجاوز الرؤوس الخمس في حدها الأعلى، تهجع في مكان مسيّج بصفائح والواح الزينكو الصدئ المهترئ، ومكشوف غير مسقوف، يؤذي ولا يحمي، وترى الأغنام منكمشة تتوارى ببعضها البعض، مستسلمة  للقدر، وإذا رأت احداً اقترب منها، أصدرت اصوات الاستغاثة كما الإنسان: أريد دفئاً وطعاماً وماء .
المدارس والتعليم، حلم بعيد المنال، كبعد مواقع المدارس عنهم، ثلاثون كيلومتراً على الأقل، لا طرق ولا وسائط نقل، فكيف يذهبون ؟ لذا فهم يختارون لأبنائهم البقاء بجانبهم، لرعي الرؤوس  الخمس من الأغنام، وهم اطفال مكتملو الخلقة، لا ينقصهم من عطاء الله شيء، ولكن النقص كله يكمن بالرعاية والعناية من قبل من تقع عليهم المسؤولية .
الطب والطبابة والتمريض والعلاج والرعاية الصحية يحرم الكلام عنها، وكأنها من المحرمات، لا يزورهم طبيب، وعلاجهم من الأعشاب ما تنبت البرية، يصفه لهم كبار السن فيهم، حيث يثقون بهم أكثر من غيرهم، حتى وإن ارتدوا الأبيض وتقلدوا السمّاعات، والنساء لا يمكن مداواتهن إلا من قبل امرأة منهن .
 
هذا الوصف للواقع كله -وأكثر منه-  لم استطع أن أخضعه للبيان، لأنني أكتب وعاطفتي تغلب العقل، سمعت هتافا يعلو وأصواتا ترتفع، ورأيت أكفا تصفّق :    (عاش جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ورحم الله الحسين بن طلال
هتافات تخرج من حناجر صافية صفاء البيئة التي يقطنون، و تصدر من قلوب صادقة لا تعرف الخوف، وعقول لا تستخدم النفاق والرياء، دروس في الولاء والانتماء لا مثيل لها رغم شدة الفقر والحاجة والعوز .
 
ومع كل هذا الفقر الذي وصفت، فقد كانوا كرماء كحاتم الطائي الذي أقرى لضيوفه فرسه، وهو لا يملك سواها، وهم كذلك دوماً، فقد أصروا على ذبح شاة، فنقصت شياههم  لتصبح أربعة، طبخوا الشاة بكامل أطرافها، وما تذوّقوا منها شيئاً، ولا حتى أطفالهم حتى فرغنا من الأكل.
الكرم والطيب، و الولاء والانتماء الصادق، و الفقر المدقع الشديد، و الطبيعة القاسية، كلها تجتمع عليهم في آن واحد، في تناغم شديد، لوحة فنية يعجز عنها أهل الرفاه والمال الوفير والعيش الرغيد، فمن أراد المزيد فليذهب إلى “ بئر مذكور” ليسمع ويرى بأم عينيه، ويقارن بين حياته التي يعيش، وحياتهم التي يعيشون، وكيف الولاء لديهم، وكيف النكران لدى من سواهم ممن أنعم الله عليهم!!
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه .


الدستور
https://www.addustour.com/

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات/ سالم بن فريج الأحيوي / 2016