»نشرت فى : الأحد، 2 فبراير، 2014»بواسطة : »هناك تعليق واحد

أشهر قتيل في سيناء

أشهر قتيل في سيناء


فيما يلي موضوع كتبه الدكتور صبري العدل عن حادثة مقتل المستشرق الإنجليزي بالمر وفيه بيان لدور الشيخ مطير بن صفيح في تلك الحادثة . قال الدكتور صبري العدل :

البرفيسور بالمر أشهر قتيل في سيناء
الرحلة الأولي لبالمر

قررت وزارة الحرب البريطانية بالتعاون مع البحرية البريطانية تمهيد الطريق للحملة البريطانية علي مصر وذلك بالاعتماد علي رشوة واسعة النطاق وبخاصة بين البدو في المناطق الشرقية لمصر، حيث كانت الخطة البريطانية لاحتلال مصر ترتكز علي الدخول إلي مصر من ناحية قناة السويس .

وقد استدعت إدارة البحرية البريطانية إداورد هنري بالمر Edward Henry Palmer أستاذ اللغات الشرقية بجامعة كمبردج، حيث رأت في هذا الرجل خير من يصلح لأداء العمل المطلوب لدرايته التامة باللغة العربية، ولخبرته بالمنطقة إذ تصادف أنه كان عضوا في صندوق استكشاف فلسطين ، وقد مكنته زياراته للمنطقة خلال أعوام 1868، 1869، 1870 من معرفة قبائل البدو في شبه جزيرة سيناء، كما كان علي معرفة تامة بشيوخ القبائل، وكان من نتيجة أعماله الاستكشافية عمل ضخم تحت عنوان " صحراء الخروج Desert of the Exodus The ".

وقد قبل بالمر العرض الذي عرضه عليه اللورد نورثبروك Lord Northbrook، ممثل الأدميرالية الأول Lord of Admiralty The First في مجلس العموم، بأن ينهض بهذا " العمل الوطني المشرف "علي حد تعبيره، وهو ضمان انضمام البدو شرق القناة إلي الجيش الإنجليزي عن طريق استخدام الرشوة، وقد قدم له نورثبروك مبلغ 500 جنيه تحت الحساب، ووعده بمكافأة مجزية في حالة نجاح مهمته. وقبيل سفر بالمر إلي مصر زار المستر بلنت وتظاهر بأنه عين مراسلاً لجريدة إستاندرد وأنه مسافر إلي الإسكندرية وطلب منه أن يزكيه لدي أصحابه من رجال الحزب الوطني في مصر ليخفي العمل الذي كلف به .

وكان البرنامج الذي وضعته وزارة البحرية لبالمر هو أن يذهب أولاً للتفاوض مع الأميرال سيمور ثم يذهب من الإسكندرية إلي يافا، حيث يتنكر في زي عربي ويتوجه إلي الصحراء الواقعة في الجنوب الغربي من غزة ويتعرف على قبيلتى التياها والترابين، وقد نزل في يخت الأدميرال سيمور الذي أمره بأن يشرع فوراً في الرحيل إلي الصحراء ليبدأ في أداء مهمته، وقد أعطاه سيمور " مسدساً وبندقية وكمية كبيرة من الطلقات "، وتوجه بالمر إلي يافا علي متن قارب بخاري يحمل العلم البريطاني ، وعندما وصل يافا في نزل عند القنصل البريطاني شابيرا اليهودي الذي أرسل معه ابنه لكي يساعده في شراء الملابس العربية وسائر ما تحتاجه الرحلة، واشتري بالمر كل ما يحتاجه، كما وجد بدوياً يرافقه كدليل ليبدأ رحلته عبر الصحراء متظاهراً بأنه أحد تجار الإبل، وكان البدو يسمونه " عبد الله أفندي". وربما يرجع السبب في توجه بالمر إلي يافا ومنها إلي صحراء سيناء علي الرغم من أنه كان من الممكن أن يتوجه من الإسكندرية إلي القاهرة ثم إلي السويس ومنها إلي صحراء سيناء، أنه أراد أن يوحي للبدو أنه قادم من مقر الدولة العثمانية حتى يبعد الشبهات حول كونه إنجليزياً .

وخلال رحلته الأولي استطاع بالمر التأثير علي بعض مشايخ القبائل خصوصاً مشايخ قبائل التياها، والترابين والأحيوات، و قد أحبه البدو وافتتنوا به لدرجة أنه كان يقرضهم الشعر العربي فيطربون له، كما أكل معهم الخبز والملح علي حماية كل منهما الآخر حتى الموت. واستطاع بالمر الحصول علي بعض المعلومات العسكرية من بعض العربان المنضمين إلي عرابي، ومن هذه المعلومات أنه علم بوصول أكثر من ألفي رجل من بدو النيل إلي القناة، كما علم من أحد البدو أن هذه القوة ستتجه إلي السويس، وسيتم تعزيزها بقوة أخري من التياها والترابين في حالة إخفاقها في إتمام المهمة التي ستوكل إليها.

ووصل بالمر إلي السويس في أول أغسطس 1882، ورافق القوة الإنجليزية التي احتلت السويس يوم 4 أغسطس، وعينه اللورد نورثبروك رئيساً للتراجمة في " جيوش جلالة الملك في مصر" . وكان بالمر بعد انتهاء هذه الرحلة متفائلاً إلي حدٍ كبير، حيث ظن أن بإمكانه تجنيد عدد كبير من البدو واستمالتهم إلي جانب بريطانيا .

وبعد النجاح الذي توهم بالمر أنه قد حققه، وأنه صار قاب قوسين أو أدني من تحقيق الهدف الذي أرسل من أجله، طمع في إنهاء مهمته . فكانت بذلك رحلته الثانية إلي صحراء سيناء . وكان ظاهر هذه المهمة ينحصر في شراء جمال لاستخدامها في نقل القوة الهندية التي كانت قد وصلت إلي السويس لتحل محل القوة الموجودة في الإسماعيلية. بينما كانت هناك أهداف غير معلنة أهمها، قطع أسلاك البرق وحرق الأعمدة حتى تنقطع المواصلات بين عرابي والدولة العثمانية ، وتحقيق الهدف النهائي للمهمة التي كلف بها بالمر، وهي استمالة عربان سيناء إلي صف الإنجليز أو علي الأقل تحييدهم في الصراع الدائر بين القوات الإنجليزية وجيش الثورة العرابية .

الرحلة الثانية لبالمر

واستعد بالمر لرحلته الثانية إلي سيناء، وكانت غايته هذه المرة أن يصل إلي "نخل " في وسط سيناء . وقد وضعت البحرية تحت تصرف بالمر مبلغ 20 ألف جنيه إسترليني، أخذ منها في هذه الرحلة حوالي 3000 جنيه تقريباً ليوزعها علي مشايخ القبائل في سيناء ، خاصة قبيلة التياها، كما كان الاتفاق بينه وبينهم، وكان بالمر يود أن يأخذ المبلغ بكامله لكن الكابتن جيل Gill، الذي أحضر المبلغ من الإسكندرية ورافقه في هذه الرحلة وهو من سلاح المهندسين، عارض بالمر في أخذ المبلغ كاملاً . ووضع بالمر هذا المبلغ في ثلاث حقائب بكل حقيبة مبلغ 1000 جنيه، كما أخذ معه دستة سيوف كهدايا لشيوخ القبائل في سيناء .

وكان يرافق بالمر خلال هذه الرحلة الكابتن جيل، واللفتننت هارولد تشارنتونHarold Charrintonn الخبير في شئون البدو . كما صحبهم مترجم سوري يدعي "خليل عتيق "، وطباخ يهودي من غزة يدعي " بخور حسون "، بالإضافة إلي دليل من البدو يدعي " مطير أبو صفيح " أحد كبار قبيلة اللحيوات الصفايحة، وكان هذا الدليل هو نفسه الذي صحب بالمر خلال رحلته الأولي من يافا إلي السويس، وصحب هذا البدوي معه ابن أخيه "سالم "، كما أخذ معه عددا من الجمال حوالي تسعة جمال منها ثمانية خاصة بقبيلة العليقات بينما كان التاسع خاصاً بمزينة.

في 8 أغسطس 1882 غادر بالمر ورفاقه السويس متوجهين صوب صحراء سيناء لمقابلة مشايخ البدو في نخل، لكن قبيل التوغل في الصحراء توجه كل من بالمر والكابتن جيل لقطع خطوط البرق ( التلغراف) بين مصر والشام ، لمنع عرابي من طلب النجدة من الدولة العثمانية، وكانوا قد أخذوا معهم لهذا الغرض صندوقاً مليئاً بالديناميت، وكان الكابتن جيل قد استفسر عن أيسر السبل لقطع هذا الخط وتدميره، واتضح أن قطعه وتدميره من ناحية السويس هو السبيل الذي يمكن أن يحقق ذلك بصورة آمنة، ويبدو أن بالمر استعان بأحد موظفي الإدارة المصرية في قطع وتدمير الخط البرقي بين مصر وسوريا إذا صح ما ذكره جون نينيه John Ninet .

وفي 9 أغسطس غادر بالمر ورفاقه عيون موسى بعد أن اشتري منها عشرة جمال منها، ربما كان شراؤه لهذه الجمال لإخفاء المهمة التي خرج من أجلها، ويثبت بالفعل أنه إنما خرج فقط لشراء جمال . واستمرت البعثة في التوغل في صحراء سيناء حتى وادي سدر. وحين وصلت البعثة إلي جبل قرب " نخل "، انقض عليهم جماعة من البدو وأخذوهم أسري، وفي صباح اليوم التالي اقتادوهم إلي قمة جبل يطل علي عين أبو رجوم وخيروا بين الموت رمياً بالرصاص أو بإلقاء أنفسهم من أعلي قمة الجبل، وقد اختار بالمر أن يغطي وجهه بيديه ويقفز قفزة الموت بينما اختار الكابتن جيل واللفتننت تشارنتون بغريزتهم العسكرية الموت رمياً بالرصاص، كما اختار المترجم السوري والطباخ اليهودي الموت رمياً بالرصاص، وقد عثر علي جثثهم عند سفح الجبل، حيث وجدت جثث بالمر ورفاقه ملقاة بين جبلين عند وادي أبو رجوم بالقرب من عين أبو رجوم حيث قام الجناة بنقل الجثث إلي مكان يسهل عليهم فيه إخفاؤها، ولم ينج من الحادث سوي البدو المرافقين لهم، فقد فر كل من " مطير أبو صفيح وابن أخيه سالم " بعد أن عرفا بوجود نقود معهم فسرقا حوافظ النقود المحتوية علي الثلاثة آلاف جنيه إسترليني وفرا هاربين .

وكانت السلطات البريطانية تتوقع أن ترد لها أخبار عن بالمر ورفاقه في 18 أغسطس، لكن مرت فترة طويلة دون أخبار عنهم . فقامت بإرسال القبطان فوست، الخبير بشئون البدو ويجيد التحدث باللغة العربية، إلي الطور لعله يصل إلي أية معلومات حول مصير بعثة بالمر، كما أرسلت السلطات البريطانية إلي قنصل بريطانيا في القدس لكي يساعد في البحث عن بالمر ورفاقه، لكن عاد فوست من مهمته دون معلومات تذكر.

البحث عن البعثة البريطانية المفقودة

في 6 سبتمبر أرسلت السلطات البريطانية الكولونيل شارلز وارن ومعه المستر ويست قنصل بريطانيا في السويس إلي الطور للبحث عن بعثه بالمر المفقودة، لكنه عاد بأنباء تقول " إنه يعتقد بأن بدو سيناء قد اكتشفوا حقيقة بالمر وعرفوا أنه ليس مسلماً ولا يدعو للخلافة الإسلامية فقتلوه هو وزملاؤه ونهبوا ما كان معهم من مال ومتاع " . وأخيرا أرسل الإنجليز بعثة مؤلفة من خمسين بحاراً والتحق بهم ياوران الخديوي والقنصل الإنجليزي والقنصل اليوناني للبحث عن المفقودين .

والواقع أن الاهتمام الكبير من جانب السلطات البريطانية والحكومة المصرية بحادث مقتل بالمر ورفاقه يعكس الخوف من أن يكون الحادث أكثر من مجرد طمع في المال أو السرقة، فقد كان هناك خوف من أن يكون وراء الحادث دعم أو مولاة للثورة العرابية في شبه جزيرة سيناء .

وفي إطار البحث عن بعثة بالمر أرسلت نظارة الداخلية في استدعاء الشيخ سلامة بن إبراهيم شديد شيخ العربان بمصر وأرسلته إلي السويس بناء علي طلب محافظة العريش، وهناك اجتمع مع الكولونيل وارن وتعهد بأنه " لن يمر ثلاثون يوماً علي بحثه وتحقيقه حتى يأتي بالمجرمين والشهود اللازمين لتحقيق القضية ".

وفي تلك الأثناء كان الكولونيل وارن والقنصل الإنجليزي في السويس يتلمسان خيوط المعلومات التي ربما تؤدي إلي حل لغز فقدان بالمر ورفاقه . وتشير الوثائق إلي أنه وردت معلومات من حاكم غزة تفيد بأن شخصاً يدعي أحمد الأزعر من أهالي خان يونس قد ضبطت بحوزته " ساعة بكتينة ذهب " وقد شك حاكم غزة في أن تكون هذه الساعة من متعلقات البرفيسور بالمر، وعند استجوابه بغزة عن مصدر هذه الساعة أجاب بأنه اشتراها من شخص يدعي سلامة سليمان من عربان التياها . ومن سياق التحقيقات التي تمت بعد ذلك اتضح أن الساعة بالفعل خاصة بالبرفيسور بالمر وأن الذي قام ببيعها لأحمد الأزعر هو شخص من عربان التياها يدعي سلامة أبو وادي وليس سلامة سليمان، وقد باعها بمبلغ 280 قرشاً. لكن الوثائق لم توضح علاقة أبو وادي بالقضية، ويبدو أنه كلف ببيع الساعة لحساب القتلة من عربان التياها . والمهم أنه أدلي بمعلومات عن البدو المصاحبين لبالمر وكانت هذه أولي الخيوط التي أوصلت الكولونيل وارن الذي كلف بتحقيق القضية والوصول إلي الجناة وتقديمهم للمحاكمة .

وكان لظهور " مطير أبو صفيح " ( دليل بعثة بالمر ) أثره في التعجيل بالقبض علي قتلة بالمر ورفاقه . فقد جاء مطير إلي سواحل السويس ليتجسس الأخبار سراً، فنزل عند جماعة من العربان الصيادين، لكن تم كشفه والقبض عليه 6 نوفمبر 1882، وسيق إلي دار أندراوس ميدور وكيل قنصل بريطانيا بالسويس، فلبث هناك فترة يسيرة ثم جاءت أوامر القنصل بتسليمه إلي السلطات المحلية لإجراء التحقيقات معه، فتم تسليمه إلي المحافظة، ثم استدعي الكولونيل وارن، وأقر " مطير" أمامه بتفاصيل الحادث وبأن النقود التي سرقها لا تزال معه وأنه قام بدفنها في مكان يعرفه وهو مستعد لاستحضارها عند الطلب، لكن عند استحضارها وجدت ناقصة حوالي 1000 جنيه. وقد عرف وارن من اعترافات " مطير " أسماء الأشخاص الذين شاركوا في أسر بالمر ورفاقه وقتلهم وبدأ وارن رحلة البحث عنهم .

القبض علي المتهمين في قتل بعثة بالمر

وبدأت مطاردة المتهمين في قتل بعثة بالمر بمعاونة الشيخ سلامة أبو شديد، فتم تضييق الخناق علي المتهمين الذين كانوا قد تجمعوا في جبل الحلال علي مسافة 25 ميلاً من العريش، وبالتعاون مع محافظة العريش تمت مطاردتهم في المسافة بين العريش والسويس، فكانت قوات محافظة العريش من العربان والعساكر تطاردهم من الشمال، بينما القوات المصاحبة للشيخ شديد تطاردهم من جهة السويس. وتم القبض علي 23 رجلاً من عربان سيناء بتهمة الاشتراك في قتل البرفيسور بالمر ورفاقه والتحريض علي قتله .

وحكمت المحكمة العسكرية التي تشكلت بطنطا لمحاكمة المتهمين علي أحد عشر شخصاً منهم بالإعدام شنقاً ممن ثبت عليهم أنهم مرتكبون لجناية القتل أو آمرون بارتكابها أو مشتركون فيها، وهم " جميعاً نهبوا بالمر ورفاقه في جهة نخل". وقد حكمت المحكمة بأن يكون تنفيذ حكم الإعدام علي مشهد من شيوخ القبائل وشيخ مشايخ العربان بمصر . وقد نفذ حكم الإعدام في حق خمسة من العربان الذين تم القبض عليهم، ونفذ الحكم بالإعدام " حضورياً " علي خمسة عربان آخرين تم القبض عليهم في صباح يوم 11 فبراير 1883 بحضور مشايخ العربان والكولونيل وارن، وحكم علي إثني عشر منهم بالسجن مدداً مختلفة تتراوح بين سنة واحدة وخمسة عشر سنة، ونفذ الحكم في حق سبعة منهم " حضورياً " بينما حكم علي الخمسة الآخرين بالسجن " غيابياً".

وتشير أصابع الاتهام إلي اشتراك علي حسين ناظر قلعة نخل، فيشير بلنت إلي تواطئه مع الجناة علي قتل بالمر ورفاقه والاستيلاء علي ما معهم من المال ، وقد نتفق مع بلنت في مسألة التورط، لكننا نستبعد أن يكون ناظر قلعة نخل علي علم بوجود نقود مع البعثة، فمن المرجح أن تكون عملية اكتشاف وجود النقود كان عند عيون موسى حينما اشتري بالمر عشرة جمال .

ذكر سليم نقاش أسماء المتهمين والأحكام التي صدرت ضدهم وهم : مرسي الراشدي، علي الشويعر، سلامة أبو تلحيفة، سالم الشيخ، سالم أبو تلحيفة، تراش بن محمد، عزام بن حميد العرضي، زيدان بن حميد العرضي، سالم صبحي، حسن بن مرشد، زيدان العرضي وهؤلاء حكم عليهم بالإعدام . أما من حكم عليهم بالسجن فهم، سلامة بن عيد 15 سنة، محمد عرصوم 10 سنوات، سلامة أبو وادي، مرشد بن سعد، عابد بن سالم، عيد أبو الرجال بن فريجي، حريس بن محمد، مضعان العبد بن عبد الله، سالم بن سويلم، عيد بن سالم، حكم علي كل منهم بخمس سنوات، أما سليم سليمان، مصلح عويضة، فحكم علي كل منهما بثلاث سنوات .

ويشير الميجور ( لورد فيما بعد ) كتشنر، الذي قام بعملية مسح لسيناء خلال شهر نوفمبر 1883، إلي رواية تقارب رواية نعوم شقير إلي حدٍ كبير فيما يتعلق بتورط حاكم نخل، فيؤكد علي لسان أحد العربان بأن " هناك تعاوناً بين عرابي وناظر نخل، وأن عرابي أمره بالتخلص من السفن المسيحية ومن كل مسيحي يراه في سيناء " لهذا فقد تخلص من بالمر ورفاقه. وهذه الرواية بها قدر كبير من الصحة لكن بها نوع من المبالغة، فالصحيح أن ناظر نخل كان من أنصار الثورة العرابية المؤيدين لها في شبه الجزيرة لكن لا نعرف علي وجه الدقة الدور الذي قام به، وإن كانت الوثائق تشير إلي تورطه بصورة غير مباشرة في الحادث ، لكن المبالغة هنا في مسألة التخلص من المسيحيين في شبه الجزيرة وقد ذكرنا أن هذه المسألة كادت أن تؤدي إلي فتنة لكن حكمة شيوخ القبائل في سيناء تداركت ذلك .

ومن خلال الحكم الذي صدر ضد ناظر قلعة نخل يتبين أنه كان بالفعل متواطئاً مع الجناة لكن لأسباب سياسية . فقد حكم عليه بالتجريد من رتبته العسكرية وسلاحه، وطرده من الخدمة وسجنه لمدة عام بسجن الإسكندرية، وذلك لعلمه بمصير بالمر ورفاقه ورغم ذلك خرج يتجول في الأودية ثلاثة أيام للبحث عن بالمر القتيل ورفاقه ولم يقبض علي الجناة، ولم يرفع تقريراً بالحادث إلي السلطات المختصة .

علي أية حال، فقد فشلت الخطة الإنجليزية في ضم عربان سيناء إلي جانبهم أبان اشتعال الثورة العرابية، كما فقدت بريطانيا ثلاثة من خيرة رجالها، هم البرفيسور بالمر والكابتن جيل واللفتننت تشارنتون في مهمة كان محكوما عليها بالفشل نظرا للظروف التي عاشتها شبه الجزيرة أثناء الثورة العرابية، ونظراً للطبيعة البدوية للمنطقة. وقد قام الكولونيل وارن بنقل جثة بالمر وجيل وتشارنتون إلي كاتدرائية سان بولSt. Paul’s Cathedral بلندن، بينما دفنت جثتي المترجم السوري خليل عتيق، والطباخ اليهودي بخور حسون في منطقة الحادث عند بطن وادي أبو رجوم .

وقد أثار الحادث اهتمام بعض أعضاء مجلس العموم البريطاني، الذين رأوا في الحادث نوعا من الغموض المتعمد من جانب الحكومة البريطانية التي لم تشر إلي المهمة الحقيقية لبعثة بالمر . فقد وجه المستر ريتشي تساؤلاً لممثل البحرية البريطانية في المجلس عن الغاية من وراء إرسال البرفيسور بالمر ورفاقه إلي الصحراء بدون حراسة، فهل كانت الغاية هي استطلاع أخبار العرابيين ؟ وأجاب ممثل البحرية البريطانية بأن بالمر هو الذي تطوع لهذه المهمة ذات الأغراض السياسية .

وعلي هذا فقد أنكرت الحكومة البريطانية أشد الإنكار محاولتها رشوة البدو، حيث وقف كل من لورد جرانفيل ولورد نورثبروك في مجلس العموم ينفي بشكل قاطع مسئولية الحكومة عن الحادث، أو أنها حاولت أن ترشو بدو سيناء .

كما أشار اللورد دوفرين Dufferin في تقريره الشهير عن الوضع في مصر عام 1884 إلي حادث مقتل بالمر ورفاقه فيما يؤكد بأن السياسة البريطانية تجاه العربان بصفة عامة وعربان سيناء خاصة قد حددتها تلك الحادثة . وهو أمر تؤكده سياسة بريطانيا في سيناء كما سبق أن رأينا، فقد وضعتها تحت الحكم العسكري منذ عام 1885 لإحكام القبضة والسيطرة علي العربان فيها.

قد صورت العديد من المصادر حادث مقتل بالمر ورفاقه علي أنه حادث سطو عادي مجرد من أي غرض سياسي، لكن المسألة إذا ما نوقشت في إطار موضوعي فسوف نخرج بعدة حقائق أهمها، أولاً، أنه لا يمكن اعتبار الحادث حادث سطو عادي في ظل تورط ناظر قلعة نخل المعروف بولائه للثورة العرابية . ولو كان الحادث حادث سطو مدبر مسبقاً لاقتسم الجناة بما فيهم البدو المرافقين للبعثة النقود التي عثروا عليها معهم، لكن ما حدث أن مطير أبو صفيح هو الذي حصل علي الغنيمة وحده، بينما الجناة الذين حاصروا البعثة لم يحصلوا علي أية نقود اللهم إلا الأشياء الثمينة التي كان يحملها أفراد البعثة كالسيوف والجمال وغيرها. وتشير رواية شقير إلي أنه لا علاقة للصوص الذين هجموا علي بالمر ورفاقه بمطير الذي هرب بالنقود بعد الهجوم عليهم، بل أنهم ذهبوا إليه بعد هروبه بالنقود وطالبوه بها بعد أن عرفوا من البعثة أنه هرب بالنقود. وقد لام بعض الكتاب علي شقير أنه صور الحادث علي أنه مجرد حادث سطو عادي ولم يضعه في إطاره السياسي معتقدين أنه كان ضمن لجنة التحقيق . ثانياً، يشير فيلد H. M. Field إلي أن الكولونيل وارن وقواته قد تعرض للهجوم من العربان في سيناء، لأنهم كانوا في حالة هياج شديد بسبب الثورة العرابية ، مما يؤكد تحول الحادث من حادث سطو عادي إلي مسألة سياسية، كما أن المهمة التي اضطلعت بها البعثة نفسها كانت مهمة سياسية . ثالثاً، أن تصوير الحكومة البريطانية للحادث علي أنه مجرد حادث سطو يوحي بأنها تحاول أن تنفي عن نفسها صفة التجسس أو حتى التورط في إرسال هذه البعثة من الأساس . كما أنها حاولت بذلك إظهار مجتمع سيناء علي أنه جماعة من اللصوص والقتلة وبالتالي يكون ذلك مبررا لسياستها المتشددة تجاه سيناء .


المصدر

http://www.allmsa3eed.com/showthread.php?t=2247

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016