وصف البدو : [ يعتبر النظام السياسي عند البدو بمنتهى الغرابة !!! لأنه يعطي مثالا راقيا لأفضل أنواع الديمقراطية في العالم ، وربما ديمقراطية البدو هي الوحيدة التي تتحقق فيها الشعارات التالية : الحرية ، المساواة ، الأخوة .] /// آن بلنت

الخميس، 22 مايو 2014

القضاء عند البدو في القطر المصري

«القضاء عند البدو في القطر المصري»


فطر البدو على حب الغطرسة والتعلق بأهداب الشمم وعزة النفس ولذلك فان ثورة الغضب تثور فيهم لأقل باعث فيحدث بينهم الشغب والتشاجر في اثناء الاشغال او المعاملات أو الأحوال وقد يقع ذلك لغير سبب معقول أو لسوء التفاهم أو لميل طبيعي للشر . وهم يستسهلون الصعب و يبذلون الجهد في الوقيعة بالخصم والاضرار به لا پيالون بوازع أو رادع . وكثيرا ما تنجلي هذه الوقائع عن قتيل أو قتلى فضلاً عن المجاريح العديدين وفي مثل هذا المقام تكون الغلبة طبعة للاكثر عددا والأقوى عدة . والشكاية عندهم سلاح الضعفاء فقلما يميلون إلى رفع شكواهم الى الحكومة الا اذا قتل قتيل" فيضطرون إلى أخطار الحكومة للتصريع بدفنه تم بسلون على حقيقة الواقعة حجابا كثيفة من التمويه لاخفاء الفاعل حتى يتمكنوا من الانتقام بايديهم لانهم يستخفون بعقاب الحكومة لطول المحاكمة وما يقتضيه اظهار الفاعل من الأدلة القانونية مما لا يستطاع  في ظروف الحادثة فيخرج المتهم بريئاً وأولياء القتيل وانقون من صحة الهمة عليه . فلو انتقموا منه بعد ذلك لعرضوا أنفسهم للعقاب اذ يسهل على آله اتهامهم لما بينهم من الضغينة التي اصبحت رسمية ، فهم يفضلون الكظم حتى يتيح لهم الانتقام بعد مدة ولا سبيل لاتهامهم رسمياً لبعد القرينة الدالة على ذلك . فحب الانتقام طبيعي في نفوس البدو ويقدمون عليه لاقل سبب حتى ان الضعيف منهم بنحمس كثيراً اذا آحتقره آخرأو سلب منه شيئا فيندفع إلى الانتقام بكل ما يستطيع . وحب الحياة فطري في النفس فالمعتدي من هؤلاء البدو يتوقع الخطر على حياته من اخصامه ومهما بالغ في الحذر والاحتفاظ بنفسه لا يسلم منه لان اعداءه في المرصاد  يطلبون النار باضعافه واذا عجزوا عن ايصال الاذي لخصمهم أوصلوه الى اولاده واخوته . واذا لم يكن له اقارب فيسرقون أمواله أو بحرقون بيته فالمعتدي تكون ساعات حياته كلها هواجس ووساوس و اضطراب . فيتغلب عليه الخوف والهلع احيانا فيلتجئ إلى رجل قوي الشكيمة كثير العصية يلوذ بحماه وينقل بينه لجواره وصاحب ذلك الحمي لا يمكنه الا حمايته سنة كاملة وهو ما يقضي به عرفهم . فاخصامه يعلنونه بسكوتهم عن المطالبة بالثار في تلك المدة رعاية لحرمة ذلك الحامي وانه بانقضاء تلك المدة أن لم يطرده من جواره جاز لهم الانتقام ولو كان الرجل بين ذراعيه . وبالطبع أن أقارب المعتدي واصدقاءه يشاركونه في ثمار هذه المتاعب ومتى ضاق ذرعهم عن احتمال هذه المعيشة المنغصة يسعون في التخلص من ربقة هذا العذاب فيحملون المعتدي على طلب الصلح من أعدائه و اعلانهم برضوخه للمحاكمة طبقا للاصطلاح المعروف بينهم . والغالب أن المعتدى عليهم يميلون إلى ذلك اي انهم يدعون خصمهم على يد الوسطاء إلى المحاكمة حسب عادتهم لانهم يرون في ذات فائدة مادية لهم لان الأحكام في مثل هذا المقام لا تخرج عن تغريم المحكوم عليه على مقدار جزمه كما سيأتي .
المحاكمة : ومتى قرر الوسطاء محاكمة المعتدي حسب اصطلاحهم تدور المخابرات بينهم على من يرضونه من أعيان القبيلة و عقلائها لعقد هذا المجلس . وعلى عمدة القبيلة غالبا أن يختار أمثال هؤلاء للحكم في القضايا التي تقع بين أفراد القبيلة . وكان في قبيلة أولاد علي منذ عدة سنوات رجل اسمه ( بوحجاج) وكان مختصاً بالفصل في القضايا بين أفراد هذه القبيلة ومن يرضاه من غيرها ثم رأوه يقبل الرشوة ويحكم في القضايا بحسب أغراضه فنبذوه وعدلوا عن المحاكمة بين يديه وصار حق الحكم في القضايا لمن يختاره المتداعيان و يسمى عندهم "المرضي "، فيعقد المرضي مجلساً في منزله يجتمع فيه غير واحد ممن يختارهم هو لمشاركته في نظر القضية ويطلق على هذا المجلس عندهم أسم  "الميعاد "،
الميعاد : متى التأم المجلس في محل المرضي او محل آخر برضاه الحصمان كان اول ما يباشرونه کتابة عقد يعترف فيه الخصمان بقبول حكم الميعاد ثم يستحضر المعتدي شاة أو نحوها تذبح في الحال و يصنع منها غذاء الحاضرين وذلك من قبل مقدمة الترضية للمعتدى عليه ويسمونها (كمود) . ثم يسأل المرضي المدعي عن دعواه فاذا انكر المدعى عليه سأل شهود الإثبات فاذا ا لم يوجدوا طلب تحليف المدعى عليه اليمين التي برضاها المدعي اما على المصحف او على مقام ولي من الصالحين يشرط أن يشترك ذوو قرابة المدعى عليه في القسم او يحلفوا انه صادق وهو ما يسمونه "التزكية" . ويجوز لأقارب المدعى عليه ان يدافعوا عن قريبهم بكل ما في طاقتهم من وسائل الدفاع لانهم مشاركوه في أداء الغرامة التي يحكم بها عليه كل على حسب درجته من القرابة او حالته المالية . فاذا آنس احد الخصمين من ( المرضي ) زيغاً عن جادة الحق او محاباة وميلاً إلى الطرف الآخر طلب توقيف المحاكمة وأشهد الحاضرين خطاًّ على النقطة التي وصل الى التحقيق في القضية لتعرض على "مرضي" آخر اکثر تمسكا بالحق أو ادق نظراُ في تمحيص ظروف الدعوى من شوائب الزور والبهتان . وكذلك اذا أصدر المرضي حكمه ولم يرق عند أحد الخصمين جاز له استئناف الدعوى عند مرضي آخر .
اما مكافأة المرضي على نظره في الدعوى فلا تكون الا بعد الفراغ من الفصل فيها وليست هي أجرة معينة يجب دفعها . والغالب أن لا يدفع للمرضي شي الا اذا كان فقيراً وذلك نادر لان معظم هؤلاء "المرضين" من اهل اليسار فلا ينتظرون شيئا من هذا القبيل لان عمدة القبيلة وأعيانها انما ارتضوهم للقيام بهذه المهمة لوجاهتهم وعلو مكانتهم وسمو افكارهم فهم يعتبرون وظيفهم نصرة الحق واعلاء شأنه فلا تقبل نفوسهم أجرأ على ذلك غير المثوبة من الله لاصلاح ذات البين بين الناس - أما الأحكام عندهم فهذا أمثالها
القتل : جزاء القاتل الحكم عليه بالدية ومقدارها ثلاثة آلاف ريال او ثلاثة الافشاة او ماية ناقة او القبول بالصنيعة ويلتجئون الى الصنيعة اذا عجز القاتل عن دفع الدية . وهي ان يكون القاتل صنيعة آل المقتول اي مطيعاً لهم في كل حال يشاركهم في السراء والضراء وتكون أمواله في الحال والاستقبال طول حياته تحت تصرفهم يطلبون منها ما شاؤاومتی | تأخر في شيء من ذلك استوجب القتل . واذا كانت الدعوى في قتيل قتل في حفلة فرح ولم يعلم قاتله كان صاحب الفرح هو المسئول عن دمه ويطالب بما يحكم به على القاتل .
المقتول خطأ بغير عمد : بعد تحليف القاتل اليمين التي برضى بهما آل المقتول بان  القتل حدث خطأ وتحليف آل القاتل أيضا بإن هذه اليمين صادقة وان القتل لم يكن مقصوداً يدفع القاتل نصف الدية السالفة الذكر .
الشروع في القتل : اذا شهر بدوي على آخر سلاحا نارية ورفع زناده ولم يطلقه غرم ماية ريال للمعتدى عليه وكذلك أيضاً أذا أفرغ العيار ولم يصبه .
اتلاف الاعضاء : ديه كسر الساق او الذراع نصف دية الرجل وكذلك اتلاف  العين اما کسر السن وجدع الأنف وقطع الأذن والاصبع فغرامتهما مائتا و بال .
الجراح : يقاس طول الجرح بسلامية سبابة المرضي و تسمى عندهم (النضارة) فكل طول سلامية بغرسين والفرس بعشرة ريالات و الريال بنعجة . وهناك طريقة أخرى لمقاس الجرح بحبة الشعير فكل طول حية بفرس واذا كان المعتدي والمعتدى عليه مجروحين فيجرى المرضي (النضارة ) على جروح كل منهما ويقدرها حق قدرها ويدفع الزيادة من كان جرحه أصغر وأخف ضرراً .ً واذا كانت الضربة غير ظاهرة ولم يخرج منها دم واحدثت ورما او احمراراً يحكم فيها بنصف الغرامة فيما لو انقطع الجلد وظهر الدم . وبلغني في تقدير اهمية المرح عند بعض القبائل ان يبتعد المرضي عن المضروب وهو ينظر اليه حتى يختفي أثر الضربة عن بصره ثم يقيس المسافة بخطواته حتى يصل اليه ويقدر له عن كل خطوة ريالاً .
السرقة : يرد السارق ثمانية أضعاف ما سرقه .
هتك العرض : اذا هتك انسان عرض عذراء يدفع مهرها الذي كان يليق أن يأخذه أهلها لو تزوجت ثم يغرم ثلاثة أضعافه وهو ما يسمونه (کباره ) هذا اذا كان اهل الفتاة ضعيفي الحال . اما اذا كانوا اهل عصبية وقوة في قبيلتهم فلا يكون جزاء الفاعل عندهم غير القتل تخلصاً من المار .



نقلا عن کتاب «بدو مصر وأحوالهم » لمؤلفه ابراهيم افندي زكي  (مخطوط لم يطبع)





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق