»نشرت فى : الأحد، 17 أغسطس، 2014»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

بر الوالدين .. كلاب بن أمية

بر الوالدين .. كلاب بن أمية

صورة رمزية

كان أمية بن الأسكر الكناني يحب الجهاد في سبيل الله ، فطلب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يخرجه للجهاد في بلاد فارس ، ففعل عمر ، وجاهد أمية هناك ، ثم عاد إلى المدينة ، وبقي فيها فترة حتى كبرت سنه ورق عظمه. وكان لأمية الكناني ولد يقال له كلاب ، كبر بين يديه حتى أصبح شاباً فتياً يافعاً ، وكان كلاب هذا عابداً زاهداً باراً بوالديه ، فأحبه أمية أشد ما يحب الأب ابنه ، فتعلقت به نفسه . وذات يوم نادى الخليفة عمر ابن الخطاب للخروج إلى الجهاد ، فجاءه أمية وقال : يا أمير المؤمنين ، إني والله أحب الجهاد في سبيل الله ، وما يمنعني اليوم من الخروج إليه إلا ضعف جسدي وكبر سني ، فقام ابنه الوحيد كلاب فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا أبيع الله نفسي ، وأبيع دنياي بآخرتي ، فتعلق به أبوه وقال : لا تدع أبواك شيخين كبيرين ضعيفين ربياك صغيراً ؛ فما زال كلاب بأبيه يحاول فيه ويرضيه حتى أذن له بالخروج إلى الجهاد. وخرج كلاب إلى الجهاد فغاب عن أبويه ، وكان أمية كل ما تذكر ولده كلاب بكى وبكت زوجته ، وذات يوم جلس أمية خارج بيته فرأى حمامة تطعم فراخها ، فتذكر ابنه كلاب وأخذ يبكي ، ثم أنشد قائلاً :

لمـن شيخـان قـد نشدا كلابا 
كـتــــــاب الله لـو قبل الكتابا

أنـاديــــه فـيـعـرض في إباءٍ 
فلا وأبي كلاب ما أصابــــــا

إذا هتفـت حمامــة بطن وجٍ 
على بيضاتها ذكرا كلابـــــا

فـإنْ مهـاجـريـن تـكنافـــــاه 
ففارق شيخــــه خطِأً وخـابا

تركـتَ أبـــاك مـرعـشة يداه 
وأمك ما تسيغ لهـا شرابـــا

تنفـض مهـده شفقـاً عليــــه 
وتجنبه أباعرها الصعابــــا

فإنك قـد تركـت أباك شيخــاً 
يطارق أينقاً شـرباً طِرابــــا

فإنك والتماس الأجر بعــدي 
كباغي المـــاء يتبع السرابا

وازدادَ بكاء أمية على ولده حتى ضعف بصره - ويقال عمي بصره - فقال سأذهب إلى عمر وأقسم عليه أن يرد علي ابني ، فردته زوجته ، فنهرها وذهب ، فلما دخل على الفاروق رضي الله عنه ، أنشد أبياتاً يقول فيها :

أعــــاذل قد عذلتِ بغير علـمٍ 
ومــــا تدرين عـاذل ما ألاقي

فإمــــــا كـنتِ عاذلـتي فردي 
كـلابـاً إذ تــوجـــــــه للعراقِ

فتى الفتيـان في عسرٍ ويسرٍ 
شديدَ الركنِ في يـوم التلاقي

فــــلا وأبيكِ ما باليت وجدي 
ولا شفـقي عليكِ ولا اجتهادِ

فلو فلقَ الفـؤاد شديد وجــد 
لهـــــم سـواد قلبـي بانفلاقِ

سأستعـدِ على الفاروقِ رباً 
لـه دفـعُ الحجيج إلى بساقِ

وأدعــو الله مجتهداً عليــــه 
ببـطـنِ الأخشبين إلى بقـاقِ

إن الفاروق لم يـردُدْ كلابــاً 
إلـى شيخين هـامهما زواقِ

فتأثر عمر تأثراً بالغاً ، وأرسل إلى أمير الجيش في العراق أن يردد كلاباً ، فأمر أمير الجند كلاب أن يرجع إلى المدينة ، فرجع كلاب لا يدري ما الأمر ، ولا يدري لماذا خُص بهذا الخطاب ، ولما وصل المدينة ذهب إلى عمر ابن الخطاب قبل أبويه ، فقال له عمر : يا بني ما بلغ من برك بأبيك ؟ فقال كلاب : كنت أؤثره على نفسي وأكفيه أمره ، وكنت إذا أردت أن أحلب له لبناً أجيء إلى أغزر ناقة في إبلي فأريحها ، وأتركها حتى تستقر ، ثم اغسل ضروعها حتى تبرد ، ثم أحلب له فيخرج الحليب بارداً ، ثم أسقيه إياه ، فأرسل عمر إلى أمية أن يحضر إليه ، فجاء أمية يتهادى قد انحنى ظهره ، فلما جلس قال له عمر : يا أمية ، كيف تجدك ؟ فقال : كما ترى يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : يا أبا كلاب ، ما أحب الأشياء إليك ؟ قال أمية : ما أحب اليوم شيء ، ما أفرح بخير ولا يسوءني شر ، فقال عمر : ومع ذلك يا أمية ما ذا تتمنى ؟ فقال أمية : بلى ، أتمنى كلاب ، أحب أنه عندي فأضمه ضمه ، وأشمه شمه ، فرق له عمر وقال : ستبلغ ما تحب إن شاء الله . وأمر عمر كلاب أن يحلب الناقة كما كان يحلبها لأبيه ، ثم أخذ عمر الإناء الذي فيه الحليب وأعطاه لأمية وقال : اشرب يا أبا كلاب ، فلما قرب أمية الإناء من فمه ، توقف برهة وقال : يا أمير المؤمنين ، والله إني لأشم رائحة يدي كلاب ، فجاء عمر بكلاب لأمية وقال : هذا كلاب يا أبا كلاب ، فوثب أمية من مكانه وضم ابنه وهو يبكي ، فبكى كلاب لبكاء أبيه ، وبكى عمر لبكائهما ، وبكى الجميع حتى ضج المجلس بالبكاء.
وقال عمر لكلاب : يا كلاب ، الزم أبويك وجاهد فيهما ما بقيا ، ثم شأنك بنفسك بعدهما ، وأمر بعطاءه وصرفه مع أبيه. وقال كلاب يبين أنه لم يترك أبويه لدنياه ، وإنما تركهما لآخرته :

لعمركَ ما تركتُ أبـــا كلابٍ 
كبير السن مكتئباً مصابـــا

وأماً لا يـزالُ لهــــــا حنينُُ 
تناديني بعد رقدتها كلابـــا

ولكني رجوت به ثوابا.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016