»نشرت فى : الأربعاء، 20 مايو، 2015»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

"ملحوظات عن البدو والوهابيين..الجمــــــــــال"

"ملحوظات عن البدو والوهابيين..الجمــــــــــال"
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


ملحوظات عن البدو والوهابيين
المستشرق جون لويس بيركهارت
(1810-1817)
ترجمة وتعليق : الدكتور أحمد عويدي العبادي
الجمــــــــــال  :  
هناك اختلافات بارزة فيما بين سلالات الجمال في المناطق الشمالية عنها في الجنوبية، ففي سوريا وما بين النهرين يغطي الجمال وبر كثيف، وهي بشكل عام أكبر حجماً منها في الحجاز حيث لا يكون لها إلا قليل من الوبر• أما الجمل النوبي فهو قصير الشعر كالغزال، وكذلك الأمر في الشياه النوبية؛ مما يمنع البدو هناك من العيش تحت الخيام• (وإذا وجدت فهي مصنوعة في الجزيرة العربية من شعر الماعز ووبر الجمال)، لذا فإنهم في النوبة مضطرون لبناء أكواخ قابلة للحمل  عند التنقل والرحيل تكون مصنوعة من الحصير والقصب  • إن الجمال العربية بوجه عام ذات لون أسمر ، وكثير منها سوداء• وكلما تقدمنا نحو الجنوب في مصر يصبح اللون أكثر وضوحاً ، أو أقل سمرة أو سواداً، حتى إذا ما وصلنا النوبة وجدنا غالبية الجمال هناك بيضاء، ولم أر جملاً أسود في تلك المنطقة • إن جِمَـال (مفردها جَمَلٌ) الأناضول من السلالة التركية هي أضخم الجمال، وأما أصغرها حجماً فهي اليمنية• وتشتهر الجمال في الصحراء الشرقية بشجاعتها، خاصة تلك التي لدى بني طيء فيما بين النهرين قرب الفرات• أما في المناطق الجبلية فإن الجمال نادرة بكل تأكيد، ولكن من الخطأ الاعتقاد أن هذه الجمال عاجزة عن صعود التلال• لذا، فإن ندرتها في الحجاز يعود لقلّة المرعى • أما المنطقة الثريّة بالجمال فهي نجد، ولهذا السبب فهي تسمى (أم البل / أي الأبل)؛ فهي تزوّد سوريا والحجاز واليمن بالجمال، حيث يتضاعف الثمن على ما هو في نجد، وأثناء إقامتي بالحجاز كان ثمن البعير يقدّر بستين دولاراً، وحيث يقلّ مرعاها ويندر العلف فقد مات خلال ثلاث سنوات ثلاثين ألف جمل، على أقل تقدير، تعود لباشا مصر الذي كان آنذاك يحكم الحجاز • وفي كل عام يشتري التركمان والأكراد من الأناضول ثمانية آلاف الى عشرة آلاف جمل من الصحراء السورية، ومعظم هذه الأعداد تجلب من نجد بوساطة وكلاء خاصين• ويستخدمون هذه الإبل للسفاد لسلالة الإبل التركمانية والمسماة مايا  • لا توجد منطقة بالشرق تتكاثر فيها الإبل بشكل ملحوظ مثلما هي في بلاد نجد وبخاصة في سني الخصب• كما أن الإبل النجدية أقل عرضة  للأمراض الوبائية (خاصة وباء الجعام الذي يُخشى منه في مختلف مناطق الصحراء) أكثر من أية أنواع أخرى من الأمراض، وعلى هذا الأساس فإنها مفضلة لدى البدو الذين يتوافدون من الأصقاع النائية من الجزيرة إلى نجد، وذلك ليجددوا رعاياهم من الإبل • إن الناقة أكثر احتراماً وتقديراً لدى البدو من الجمل، وذلك على النقيض مما هو في سوريا ومصر، حيث يحتاجون الجمال وذلك لقدرتها على حمل الأثقال، لذا فإن الذكور أكثر قيمة وأهمية• أما سكان نجد فهم لا يركبون في رحلاتهم إلا النياق، وذلك لتحملها العطش أكثر من الجمال، ومع هذا فإن البدو بوجه عام يحبذون ركوب الجمل على الناقة• إن مقدار الحمل العام للجمل في الجزيرة العربية يبلغ من مائتين إلى مائتين وخمسين كيلو غراماً في رحلة قصيرة، ومن مائة وخمسين إلى مائتي كيلو غرام في رحلة ذات مسافة طويلة• لقد كانت الجمال المستخدمة في حمل المؤن إلى محمد علي عام 1814 أو 1815 من جدة إلى الطائف، بما لا يتجاوز مائة وعشرين كيلو غراماً • والجمل المصري المُعلف جيداً يوازي الجمل الأناضولي في قوته، أما الجمال ذات الحجم الكبير في القاهرة فإنها تحمل ثلاث حزم/طرود  من القهوة أي بما يساوي الف وخمسمائة وزنة، وذلك من المدينة إلى شاطيء الماء أي حوالي خمسة كيلومترات• أما من القاهرة إلى السويس فإن الجمل نفسه يحمل ألف وزنه، ويستغرق قطع هذه المسافة ثلاثة أيام• وكلما كانت الرحلة طويلة، وأبار المياه عليها شحيحة، كلما خف حمل هذه الجمال• إن جمال دارفورد تمتاز بحجمها وقوتها الكبيرة في تحمَّـلُ الإجهاد تحت الأحمال الثقيلة، وهي بهذه الصفة تتفوق على كافة الجمال في شمال شرق إفريقيا، ومع هذا فإن هذه الجمال التي ترافق قوافل دارفورد إلى مصر نادراً ما تُحمّل أكثر من أربعة قناطير أي (أربعمائة كيلو غرام)، أما جمال سنّار فتحمل ثلاثة قناطير ونصف القنطار، ولكنها لا تساوي جمال دارفورد بالحجم • إن القدرة على تحمل العطش تختلف بشكل ملحوظ بين نوع وآخر من الجمال، فالأناضولية متعوّدة على الطقس البارد والمناطق التي تتوفر فيها المياه في سائر الجهات، لذا فإنها لابد أن تتزّود بالماء مرة كل يومين على الأقل، وإذا تأخرت في الصيف فإنها تشرب مرة كل ثلاثة أيام، أما أثناء السفر فإن الجمل يرزأ تحت وطأة الحرمان • أما في المناطق السورية وشمال الصحراء العربية فإن الجمال نادراً ما تشرب الماء في الشتاء إلا إذا كانت في رحلة، ذلك أن رعيها للأعشاب الرطبة يكفي عن الشرب في هذا الفصل من السنة• أما في الصيف فإن الجمل النجدي يجب أن يشرب مرة كل أربعة أيام، أما إذا تعرّض طويلاً للعطش في رحلته فإن ذلك يكون مميتاً له • إنني أعتقد أن أربعة أيام هي الحد الأعلى لمدى قدرة الجمال على تحمل العطش صيفاً في الجزيرة العربية، ولا داعي لإجبارها على تحمل العطش وقتاً أطول، ذلك أنه لا توجد منطقة على طريق المسافرين عبر الجزيرة العربية إلا وتوجد فيها أبار ماء بما لا يبعد عن مسيرة ثلاث أيام بالكامل أو ثلاثة أيام ونصف، إن الجمل في الجزيرة العربية يتحمل العطش في الحالات القصوى لمدة خمسة أيام، وعلى المسافر ألا يضع حساباته دائماً على أساس هذه الظروف غير العادية، ذلك أنه بعد مرور ثلاثة أيام كاملة بدون شرب، فإن علامات الخطر تبدو ظاهرة على الجمل• إن الجمال المصرية الأهلية  أقل تأهيلاً لتحمل الإجهاد من أي نوع آخر من الجمال أعرفه، ذلك أنها تجد الماء ياسراً منذ ولادتها، وتجد المرعى الوافر على ضفاف النيل الخصبة، وهي غير متعودة للسفر عبر الصحراء لمسافات طويلة إلا قليلاً، ويموت الكثير منها يومياً أثناء مواسم الحج، حيث تسير إلى مكة المكرمة، ولا توجد جمال لها قدرة على تحمل العطش أكثر من جمال دارفورد، فالقوافل القادمة من هناك باتجاه مصر تسير تسعة أيام أو عشرة أيام على طريق لا يتوفر ماء فيها إطلاقاً، وأكثر من هذا، أن هذه الجمال تعبر هذه الطريق تحت وطأة حرارة شمس الصيف • صحيح أن عدداً منها يموت على الطريق؛ ولا يوجد هناك تاجر ينطلق في مثل هذه الرحلة دون أن تكون معه عدة جمال احتياطية، إلا أن العدد الأكبر يصل سالماً إلى مصر• وليس هناك أية احتمالية ولو ضئيلة تدل على أن الجمل العربي يستطيع إنجاز هذه الرحلة حتى ولا الجمال السورية أو المصرية• إن الجمال في أغلب المناطق الأفريقية أقوى من الجمال العربية • ورغم أنني سمعت الكثير من الحكايات العربية، الذين أدركوا شفا الهلاك في رحلاتهم الطويلة، إلا أنه لم يطرق مسمعي حكاية تخبر عن ذبح جمل من أجل استخراج الماء من معدته لشربها • وحيث أن الظروف مهيئة لمثل هذه الاحتمالات، فإنني لا أتردد في التوكيد : أن مثل ذلك لم يحدث إلا قليلاً؛ ذلك أن المسافر في مرحلته الأخيرة من العطش يصبح غير راغب في المسير، بل وليس لديه قدرة على المشي أكثر من ذلك، فيستمر برحلته على ظهر جمله آملاً بالعثور على الماء، بدل أن يعرض نفسه إلى الهلاك بقتل هذا المخلوق الذي يخدمه، لقد رأيت العديد من الجمال بعد نحرها، إلا أنني لم أجد ماء في معدها إلا في حالة أن تكون قد شربت بنفس اليوم كمية كبيرة من الماء • وتخضع قوافل دارفورد لمعاناة لا تصدّق بسبب حاجتهم الى الماء، ومع هذا فإنهم لم يلجأوا إلى تلك الوسيلة النفعية المذكورة أعلاه• وقد تكون هذه العادة ممارسة في أجزاء أخرى من أفريقيا، ولكنها تبدو غير معروفة في الجزيرة العربية، بل ولم أسمع في الجزيرة العربية أو النوبة أن الناس يمزجون بول الجمال بالماء لتهدئة العطش في حالات العوز المتناهي  • لابد من القول أن ما يسّمى الهجين في كل من مصر وأفريقيا، وما يسمى الذلول في الجزيرة العربية (وكلا الاصطلاحين يدلان على الجمال المدربة للركوب)، وجمل حمل الأثقال، ما هي في الحقيقة إلا نفس الجنس، والفارق هو كالفارق بين فرس الصيد، وفرس حمل الأثقال• عندما يستشف العربي أن لدى حواره إشارات تدل على أنه سيكون نشيطاً جداً، فإنه يدربه لأغراض الركوب، وإذا كان ألحوار أنثى فإنه يوليها عنايته لتلقيحها من جمل أصيل• إن أجرة استخدام البعير مؤقتاً لأغراض السفاد، تبلغ لدى البدو العرب دولاراً واحداً، وهو نفس الثمن الذي يدفع لاستخدام الحصان الفحل للشباء • والسلالات التي ذكرتها هي من الجمال المستخدمة لأغراض النقل الثقيل، والجمال الخفيفة التي تستخدم لأغراض الركوب • وأحسن الجمال في الجزيرة العربية، لأغراض الركوب هي تلك السريعة جداً، سهلة الخبب ، ويقال أنها توجد في مقاطعة عُمان؛ ذلك أن الذلول العماني مشهور في كافة أوساط العرب• وعندما كنت في جدة، تلقى محمد علي باشا ذلولين منهما من إمام مسقط، حيث أرسلت اليه عبر البحر• ويصعب تمييزها من حيث المظهر عن الجمال العربية الأخرى، ولكن قوائمها أكثر استقامة وهيفاً ، وفي أعينها تعبير نبيل، وسمُّو في مشيتها  ككل، والتي بموجبها يمكن تمييز الحيوان الكريم ذي الأصل الرفيع من ذلك الوضيع • ومن سلالات الأذِلَّة (مفردها ذلول)، المقدّرة كثيراً في المنطقة العربية، تلك العائدة إلى قبائل الحويطات، والسّبعة (وهي قبيلة عنزية)، والشرارات• وفي الشمال الشرقي من أفريقيا، حيث يسمى الذلول هجيناً، فإن السلالة السنّارية (نسبة إلى سنّار)، والنوبية البدوية مفضلة لأغراض الركوب، أكثر من أي نوع آخر، ذلك أن جمال دارفورد ثقيلة جداً لاستخدامها كهجين لأغراض الركوب • وتتميز الجمال النوبية الجيدة بأنها طيّعة سهلة  الانقياد، ذات مشية سريعة  ورهواً (السير بتمهل)، ذلك أنها تسدّ مسدّ الخيل أحسن من أية جمال أخرى، وغالبيتها وضحاء  (اللون الأبيض المائل إلى حمرة طيفيّة) أما بالسرعة فإنها تتفوق على أنواع الجمال المختلفة التي رأيتها في مختلف أرجاء الشرق • إن اسم عشاري (وتعني الجمل الذي يقطع في يوم واحد مسافة مسير عشرة أيام) معروف في مصر والنوبة، حيث تُروى قصص كثيرة لا تُصدّق عن هذه الفصيلة من الجمال التي اعتادت أن تؤدي رحلات مدهشة• ولدي المبرر للشك أن مثل هذه الجمال لا توجد إلا في خيالات البدو • وحيثما ترتب عليّ إعادة مثل هذه القصص لدى العرب وبدو النوبة حول هذا الموضوع فإنها تبدو شبيهة بتقارير الرحالة التي يسهل تصديقها، والحكايات عن جمال البربر، أو عن وصف معين منها، وهي الأحداث التي لا يمكن لي أن أصدقها حتى تَوَكَّـد لي بما لا يساوره شك، وتبرهن لي بأنها حقائق• لقد أخبرني بدوي، من العبابدة، ذات مرة في أسوان، أن جده ذهب في احدى المناسبات من ذلك المكان (أسوان) إلى أسيوط بنفس اليوم، وهي المسافة التي يبلغ طولها بما لا يقل عن أربعمائة كيلومتر، وان ذلك الجمل الذي قطع المسافة لم يُصب حتى ولو بأدنى درجات الإعياء• ولكنني لا استطيع تأكيد أي مثال عن السرعة العظيمة للجمال عمَّا سأذكره الآن، وإنني قانع أن القلة القليلة من الجمال في مصر أو النوبة من يستطيع بذل مثل هذا المجهود • إن أسرع ما أنجزه هجين حسب معلوماتي، والذي وكده لي مصدر موثوق، أقول أسرع ماانجزه هو هجين يملكه مملوك بيك حاكم إسنا  في مصر العليا، والذي اشتراه من شيخ البشاوين بمائة وخمسين دولاراً أسبانياً• فقد ذهب هذا الجمل، بناء على مراهنة ، في يوم واحد ما بين طلوع الشمس وغروبها من أسنا إلى جنّي ، وعاد ثانية، حيث تساوي المسافة كلها حوالي مائتي كيلو متر • وقد وصلت  حوالي الرابعة بعد الظهر، إلى قرية تبعد خمسة وعشرين كيلو متراً من أسنا ، حيث خارت قواها بعد أن قطعت حوالي مائة وثمانين كيلومتراً في احدى عشرة ساعة وعبرت النيل مرتين في معدية ، العبور الذي يستغرق مالا يقل عن عشرين دقيقة• إن الفرس الانجليزية السريعة الجيدة تستطيع أن تؤدي نفس المهمة، وربما أكثر من ذلك، ولكن ليس في جو حارّ كجو مصر • وبدون بذل الجهود الجانبية المفروضة فإن هذا الجمل قد يقطع مسافة طولها حوالي ثلاثمائة وستين كيلومتراً خلال يوم وليلة، والتي ربما تحتاج قوافل التجار إلى عشرة أيام لتقطعها، لذا فإن الإدعاء المذكور أعلاه في أن هذا الذلول يقطع مسافة مسيرة عشرة أيام بيوم واحد يجب ألا تبدو مبالغ فيها كليّة • ومن المنافي للعقل الإفتراض أن أية دابة (حيوان) قادرة على الركض عشر مرات طيلة اليوم، كما يمكن للرجل أن يمشي سيراً على الأقدام ضمن تلك المسافة، كما أن سرعة الجمل في المسافات القصيرة لا تداني أبداً سرعة الفرس العام • إن عدو  الجمل (والذي ليس أربع أضعاف خطواته الطبيعية) لا يمكن أن يستمر أكثر من نصف ساعة لانعدام قدرته على تحمّل ذلك، كما أن قوة جهوده في الركض لاتطال في سرعتها درجة ركض الحصان العادي• إن الخبب الاضطراري للجمل لا يناقض طبيعته، ويستطيع أداءه لعدة ساعات، بدون إبداء الكثير من علامات الإجهاد والإعياء • وحتى في حالات الخبب الاضطراري، فإنني لابد أن الفت الانتباه هنا، أنها تبقى أقل سرعة من نفس الخطوات لحصان جيد معتدل، واعتقد أن معدل عشرين كيلومتراً في الساعة هو الحد الأعلى لسرعة  الهذابة  التي بمقدور أحسن هجين أن يؤديها، وربما يستطيع أحياناً أن يعدو بسرعة لمسافة ثمانية أميال أو تسعة في مدى نصف ساعة، ولكنه لا يتمكن من أداء هذه السرعة بنفس المستوى أكثر من هذا الوقت • ومن هنا فإن الحد الأقصى لسرعة الهجين أو الذلول والتي يتميز بها، مهما كانت القصص المدهشة المحكية حول هذا الموضوع في كل من مصر والشرق، ((غامض بالنص الأصلي وربما يقصد القول، أن ما يحكى عن قطع عشرة أضعاف المسافة، وما يتطلبه الجهد لقطعها لا يتفق وقدرة الدابة - المترجم))• ولكنها لا تجاري (لا تتحقَّق) بدابة ذات أربع قوائم، وذلك للسهولة التي تحمل بها راكبها خلال رحلة متواصلة لعدة أيام وليال، وعندما يؤذن لها (للإبل) أن تواظب  على السير بخطواتها المحبذة لديها وهو نوع من الرهو  (السير بتمهل) اللطيف المريح، بمعدل ثمانية إلى عشرة كيلومترات في الساعة• ولوصف هذا السير المريح، فإن العرب يصفون الذلول الجيد "إن متنه ناعماً مريحاً بحيث تستطيع احتساء فنجان من القهوة وأنت تمتطيه" • والسنام هو أول ما يقلق العربي في جمله، إذا أراد أن يشرع في الرحلة، فإذا كانت هذه سمينة، فإن العربي يعرف أن جمله سيتحمل الإجهاد الكبير حتى ولو لم يطعمه إلا قليلاً من العلف، ذلك أنه يعتقد وبناء على ما تقوله العرب "إن الجمل سيتغذى على سنامه خلال رحلته"• والحقيقة أن الجمل يكف  عن السرعة والإجهاد  إذا ما غار  سنامه، ويستسلم للإجهاد تدريجياً• وبعد رحلة طويلة يفقد الجمل سنامه كلية تقريباً، وتستغرق ثلاثة أشهر أو أربعة من الراحة  والعلف الجيد لاستعادتها، وذلك ما لا يحدث إلا بعد أن تكتنز بقية أجزاء الجسم باللحم، وهناك القليل من الحيوانات التي تبدو عليها ملامح تحول الطعام إلى شحم بسرعة كالجمال • إن أياماً قليلة من الراحة للحيوان وتزويده بكميات كبيرة من الغذاء، يؤدي الى زيادة  ملحوظة باللحم، بينما، وعلى النقيض، نجد أياماً قليلة من السفر بلا طعام تنقص الحيوان/الجمل إلى حد الجلد والعظم تقريباً، ما عدا السنام الذي يقاوم مؤثرات الإجهاد، وتدوم مدة أطول • إذا بلغ الجمل الدرجة القصوى من البدانة ، فإن سنامه يأخذ شكل الهرم، وتمتد قاعدتها على سائر أجزاء الظهر، وتحتل جميعها حوالي ربع جسم الحيوان• ولكن مثل هذه المواصفات لم تُرَ أبداً في المناطق الزراعية، حيث أن الجمال تحت العمل دائماً بطريقة أو بأخرى• إن مثل هذه الأوصاف موجودة فقط لدى البدو الأثرياء في وسط الصحراء، والذين يربون الإبل بقصد التكاثر فقط، ونادراً ما يستخدمون أكثر من جزء بسيط من القطيع للعمل في فصل الربيع حيث تتغذى إبل البدو جيداً لعدة أشهر على النباتات الخضراء  المقدّمة إليها، فإنها تسمن بسرعة حتى لتبدو هذه الجمال أنها لا تمت بصلة إلى الجمال العاملة في القوافل التجارية أو حقول الفلاحين • بعد أن تصل أسنان الجمل الأربعة الأمامية إلي طولها الكامل، يظهر بعدها زوجان من الأسنان الخلفية في بداية السنة السادسة من عمره، ويستغرقان سنتان حتى يصلا (زوجا الأسنان الخلفية) إلى حجمهما الأقصى• وفي بداية السنة الثامنة من عمره يظهر زوجان آخران من الأسنان الخلفية خلف الزوجين الأولين، ومتفرقة تماماً عن الأسنان الأخرى، وتتم هذه الأسنان بمظهرها الكامل في سن العاشرة، وبذلك يظهر الزوج الثالث والأخير والذي يحتاج إلى سنتين أخريين لتمام نموّه على مدى إثني عشر عاماً• ومن هنا فإن الجمل لا يتم نموّه إلا بعد بلوغه الثانية عشرة من عمره حيث يسمّى حينها رأس• ولمعرفة عمر الجمل فإن ذلك يتم بفحص هذه الأسنان الخلفية• ويعيش الجمل إلى حد أربعين سنة• ولكن حيويته ونشاطه يذبلان بعد مرور خمس وعشرين سنة أو ثلاثين، حينها لا يستطيع تحمل الإجهاد والإرهاق• وإذ ما هَزُل الجمل بعد السادسة عشرة من عمره، فإن العرب يرون أنه لا يستعيد بدانته بعدها، وفي هذه الحالة يبيعونه بثمن بخس للفلاحين الذين يعلفون مواشيهم أكثر مما يفعل سكان الصحراء • ويسمى سرج الذلول في كافة أرجاء الجزيرة العربية : الشدّاد كما أن الحمير في الحجاز مُسرجة بالشداد ( الجمع أشدة/ بتشديد الدال   (،) وهو لا يختلف عن شداد الذلول إلا بالحجم ويطلق اسم شبري في الحجاز على نوع من المِحفة  وله مقعد مصنوع من القش المجدّل  بطول متر ونصف موضوع عبر شداد الجمل، ومثّبت إلى حبال• وتوجد على الجوانب الأربعة للمحفة أعمدة رفيعة متصلة مع بعضها من الأعلى بواسطة أعمدة متقاطعة، حيث توضع فوقها قطع من السجاد أو الحصير وذلك لتظلل المسافر من حرارة الشمس• إن هذه المحفة هي المركبة المفضلة للسفر لدى أهل الحجاز، ذلك أنها تسمح لهم بالتمدد على طولهم بالكامل وينامون على راحتهم أثناء المسير • وهناك آلات مشابهة للمحفة، وعلى مدى أضيق وأقصر حيث توضع على طولها على جانبي شداد الجمل، وتسمّى حينها شقدف ، ويجلس في هذه شخص واحد، ولكنها لا تسمح له بالتمدد على طوله الكامل، وتغطي كلا الشقدفين (مفردها شقدف) بالسجّاد الملقى عليها ومثل هذه الحافلة تستخدم عادة لحمل النساء • أما تخت/تخت الروعان (والمسمى لدى الإيرانيين تخت راقان حيث أن هذا الاصطلاح قد جاء من عندهم) فهو مركب  يحمله جملان أحداهما في المقدمة والثاني في المؤخرة• وفي مثل هذا المركب يسافر اغلب الحجاج وخاصة الأتراك الذين يستخدمونه أكثر من العرب • إن العادة في مصر أن يتم جزّ وبر الجمل بنفس الطريقة التي يُجز بها شعر الشاة، وهم يفعلون ذلك لاعتقادهم أن ذلك يحّسن مظهر الحيوان• لقد أسس الفرنسيون خلال احتلالهم لمصر، أسسوا وحدة  هجّانة مؤلفة من خمسمائة هجّان، والذين اختيروا من أشجع جنودهم والذين نجحوا في السيطرة على البدو• لقد أمر باشا مصر عدداً من الخيّالة من جنوده أن يحتفظوا بالهجن أيضاً، كما أن لدى ابنه إبراهيم باشا حوالي مائتين من رجاله من الهجّانة • وتقاد الهجن في مصر بخيط مربوط في حلق الأنف أما الهجن في الجزيرة العربية فإنها نادراً ما تخرّم أنوفها، وهي أكثر طاعة لعصا الراكب القصيرة من طاعتها اللجام • وتؤدي المرأة العربية في جميع المناسبات مهمة كبيرة في تهيئة أَشِـدَّةَ الجمال (الاسرجة)• فالمرأة النجدّية ترى أن درجتها تنحطّ، إذا ركبت على أي جمل غير اسود، وعلى النقيض من ذلك فإن السيدة من عنزة تفضل الجمل الأبيض أو الرمادي  • وأما العادة المتبعة في وضع حامل البندقية على الجمال والتي تدور على حِقْـوِ  السرج فغير معروفة في مصر، ولكنني رأيتها في سوريا، ويبدو أنها شائعة في بغداد وبلاد ما بين النهرين، ورغم أن هذا الحامل المتحرك يؤدي القليل من الفائدة، ولكنها لدى العرب شيء ممتاز وسلاح مناسب، وهو متبنى بحيث يوحي لهم بالرعب (ضد الأعداء) أكثر مما تؤديه قطع من المدفعية الثقيلة• ويختلف ثمن الجمل من مكان إلى آخر، ففي مصر مثلاً حيث تتوفر الأعلاف الرخيصة الثمن، فإن ثمن الجمل يتراوح ما بين اثني عشر الى أربعين دولاراً، ويرتفع ثمن الجمال كثيراً في الحجاز، حيث تصل أحياناً إلى خمسين أو ستين دولاراً للذلول من الصنف العام، وهناك طلب ملح في نجد على الذلول من النوعية الممتازة، والمعروف ان سعود يشتري الجمل العماني بثلاثمائة دولار • ويلحظ العرب ويميزون مختلف النواقص ، والمعيبات  والتي تصاب بها جمالهم، والتي تؤثر كثيراً (سلباً) على قيمتها وثمنها، وتسمى الشائبة الرئيسة بالسائب  وهي  نتوء يحمل خصلة شعر في مؤخرة قائمة الجمل  فوق الخف مباشرة)• ويعتبرونها أن لا شفاء منها، وبرهان على وهنها الكبير • وأما الثاني فهو الفكح ،  وهو رجفة أو رعشة  في القوائم الخلفية للجمل، عندما تدنو من وطىء الأرض، أو ترتفع عنها، وهذا الفكح يعتبر أيضاً كبرهان على الضعف - أما الصرّار  فهو تقرّح  تحت الصدر، الهلل ، والفاهورة ، وأنواع أخرى • تجدر الإشارة أن غالبية جمال القوافل مصابة بربو الصّدر ، ويقولون (صدره خربان) وذلك نتيجة للإجهاد المتتابع، وحمل الأحمال الثقيلة• وعندما يحدث هذا للجمل فإن العرب يكوون  صدر الجمل• وهم يلجأون للكوي أيضاً في حالات إصابة الجمل بالجروح عند السنّام، أو الجروح الناتجة عن الاشدة السيئة أو الأحمال ذات الأوزان الثقيلة جدّاً• وعندما تدنو أية رحلة، فإن من النادر أن تجد مسافرا  يمضي بدون أن ترى عمليات الكوي، ومع هذا فإنهم يكوونه (من الكوي) ثانية على نفس الموضع الذي تم حرقه حديثاً، ومهما بلغت درجة الألم فإنه لا يؤدي بالجمل الكريم أن يرفض الحمل أو أن يلقي به أرضاً عن ظهره• وعلى أية حال فإن الجمل لا يستطيع أن يجبر على النهوض إذا ما خارت قواه بسبب الجوع أو الإجهاد المفرط •



    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

كافة الحقوق محفوظة لمدونة واحــة الأحيـــــــــــــــــــــوات 2016